
الولايات الدينية هي الولايات المتعلقة بالأمور الدينية المحضة، كالمتعلقة بالفرائض العينية، والعلوم الشرعية، ونحو ذلك.
وهنا نبحث عن تولي المرأة للولايات الدينية، ونسأل: هل تولت المرأة في الصدر الأول أية ولاية دينية؟ هل كُلّفت بالإمامة والخطابة في مسجد للمسلمين؟ هل كُلّفتْ بأمارة الحج؟ هل كُلّفتْ بإمارة جباية الزكاة أو تقسيمها؟ هل تولت المرأة سلطانياً ولاية الفتوى؟ وهل يجوز لها شئ من ذلك؟.
والجواب على ذلك كله على النحو الآتي:
المبادرة إلى الإيمان:
لئن كانت المرأة في بعض الدول ـ مما تدِّعي التقدم والتحضر ـ لا تزال تَتْبع في فكرها واعتقادها ونسبها وذاتها: الرجل من الزوج أو الأب أو الأخ؛؛ فلا تفكِّر إلا بعقله ، ولا تعتقد إلا بقلبه ، ولا تنتسب إلا لأسرته ، فيُلغَى اسمها، ويُكشط من نسبها أبوها وعائلتها فتنادَى بزوجها ولا تعرف إلا به .. إن كانت المرأة مسلوبة الإرادة والفكر والاعتقاد والنسب والذات في كثير من دول الكفر مما ترى لنفسها العلو والتمكين ؛؛ فإن المرأة المسلمة تستقل بذاتها وبنسبها ، وفي فكرها واعتقادها ، فلا تُلحَق بالرجل في انتسابها ولا في اسمها، ولا يُفوَّض الرجل ليفكِّر لها ، ولا تُلْغي قلبها وفطرتها ليعتقد لها زوجها أو أبوها أو أخوها.
هذا وإن كان عظيماً في حدِّ ذاته ! إلا أن الأعظم في كون المرأة في صدر الدعوة، على ضعف الفئة المؤمنة ، وقلتهم ، وهوانهم على الناس ، وتوالي التعذيب والتنكيل بهم ، كانت تبادر إلى الإيمان ، لا تبعاً لزوجها ، ولا إرضاءً لأبيها ، ولا مخافة من أخيها ، ولا مجاملة لولدها ، ولكن: تعجلاً إلى الله ، وإرضاءً له ، وابتغاءً لوجهه ، وإن كان أبوها كافراً ، أو كان أخوها كافراً ، أو كان زوجها كافراً..
* فهذه فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها، تبادر إلى الإيمان وأخوها عمر كافر، يناصر الكفر ويحميه، ويبالغ في الصدِّ عن سبيل الإيمان، يسارع إلى مؤاخذة من أسلم وآمن ينهال عليهم بسياط التعذيب تضليلاً وفتنة.. ولكنه بفضل الله تعالى ترى عينه نور الحق ، وينفك قلبه من براثن الكفر والشرك، ويتحرر عقله من قيود الجهل والتيه على يدي أخته فاطمة التي سبقته إلى الإيمان رضي الله عنها، فاكتسب الإسلام بسببها عمر [ الفاروق] والقوة والعدل الذي لو كان نبيٌّ بعد رسول الله ص لكان عمر ..([1])
* وهذه أمّ حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنها تبادر إلى الإيمان ولا يزال أبوها كافراً وأخوها سفيان كافراً يحاربان الله ورسوله، ويفتنان من آمن بهما واتَّبع دين الحق، يقودان حملات الفتنة في الدين، ومساعي الصدّ عن سبيل الله..
من هذا البيت الرافض لدعوة الحق، المحارب لله ورسوله، يشعُّ نورٌ وضيئ، ويشقّ ضوءٌ بريق حوالك الكفر والتيه والظلم والطغيان، هو نور إيمان أم حبيبة لينضاف إلى نور الحق الذي وعد الله أن يتمّه ولو كره المشركون ..فخرجت رضي الله عنها من هذا البيت المطبق بظلام الجهل: طاهرة، نقية، داعية للدين، كما اللبن يخرج من بين فرث ودم خالصاً سائغاً للشاربين ..رضي الله عنها ما جاملت أباها في كفره، ولا اهتمت لمكانة بيتها الشريف الذي قلَّت حدّته في الترصّد لأهل الإيمان بسبب إسلامها، ولا قدّمت رضاءهم على رضا الله الواحد في النفع والإضرار إن رضي أو سخط، فأكرمها الله باستعلائها على أسباب العزة وعلى علو منزلهم ومنزلتهم في قريش حتى صارت أم المؤمنين..
ولم تزل رضي الله عنها في موقفها الناصر للحق وأهله ، الخاذل للكفر وأهله، الناظر لأهل الشرك بعين الانتقاص لا ترى فيهم إلا الرجس والنجس وإن كان منهم أبوها:وها هو يقدم على رسول الله e المدينة، ويدخل على ابنته أم حبيبة، ظناً منه أنها ستجامله، وستقف في صفه تدعمه وتعينه على غرضه الذي قدم إليه ، ولكنها ما جاملته ولا ناصرته ، بل وقفت منه موقفاً لو وقع اليوم من مسلمة داعية مع أبيها الكافر الملحد ؛ لخاصمها أهل الأرض جميعاً ولرموها بالبله والجهل والجنون والتطرف ، ولكنه البراء من الكفر وأهله .. يذهب أبو سفيان ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ابنته ، فتقوم رضي الله عنها تطوي عنه فراش زوجها النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لها: يا بُنيَّة! ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله ص وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ص . فقال : والله لقد أصابك يا بُنية بعدي شرٌّ.. ([2])
ولا تعليق!!!!....
* وهذه أم سليم بنت ملحان ـ أم أنس بن مالك ـ رضي الله عنها، تسابق إلى الإيمان مع السابقين، وتؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجها مالك بن النضر كافر، فغضب عليها شديداً ، وأنكر عليها إسلامها يسعى لإعادتها في ملته، فخاب مسعاه، وضل مبتغاه، وعجز عن فتنتها عن دينها التي استمسكت بعروته الوثقى ، فتركها وابنها ودينها يهجرهم إلى دار الكفر بالشام ومات بها .. فلم تسترضه رضي الله عنها بتنازلات ، ولم تستجده بموافقات ، ولم تتردد في التخلّي عنه وعدم اللحاق به ، بل ثبتت على إيمانها بيقين ورسوخ ..
* وهكذا فعلت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، آمنت وزوجها العاص بن الربيع كافر.. وهكذا فعلت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، أسلمت وأبوها وزوجها عمرو بن العاص وأهلها كلهم كفار، وكذلك أميمة بنت بشر آمنت وزوجها وأهلها كفار وكانت تحت ثابت بن الشِّمراخ.. ولم ينتظرن رضي الله عنهن إسلام أزواجهن ليُسلمن، بل سارعن إلى الله يشهدن شهادة الحق ويلتزمن بها ويعملن لإرساء قوائمها وترسيخ تعاليمها ..
وهكذا يجب أن تكون المرأة المسلمة العاقلة ، لا تكون إمَّعة لزوجها أو أبيها أو أخيها أو ولدها، فتختار ما هم عليه من الحال ـ فكراً وسلوكاً واعتقاداً وموقفاً ـ ولكن! تبادر إلى اختيار الحق والانتماء له ،كيفما كان حالها ، تتولى الله ورسوله والمؤمنين نصرة ودعوة ..
الثبــات على الحق:
إن الإيمان إذا استقر في القلب، وسرى في النّفْس، يصعد وينزل من النَّفَس، يغدو ويروح حيثما راح المؤمن أو غدا لا يفارقه.. وإذا تشبعت به الجوارح، وتشعَّب به المؤمن سخِّر به كل شعب الحياة لمرضات الله ؛ عندئذ يثمر الإيمان العزة والقوة ، ويذخر باليقين والطمأنينة، ويُزهر السكينة والثبات : الثبات على ما آمن عليه .. والثبات على الحق الذي عرفه .. والثبات على الدعوة إليه .. والثبات في الشدائد، وعند البلاء والفتنة، وليس هذا إلا للمؤمن ، ولعل ذلك هو سرّ تعجب النبي ص من أمر المؤمن لما قال : (( عجباً لأمر المؤمن، إن أمر كله خير ، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له )) [ أخرجه مسلم وغيره ] .. فهو بإذن الله يتقلب على شقين ـ شق الشكر، وشق الصبر ـ ..
ولهذا : يخسر دائماً الطغاة والجبابرة وأنصار الباطل من ذوي السلطة والجاه ممن لا يرقبون في المؤمن إلاًّ ولا ذمة، يبطشون بأهل الإيمان ودعاة الحق ورسل الخير الهداة المهديين ، فلا ينالون منهم إلا الثبات كأنهم الجبال الشمّ لا تقدر العواصف الهائجة مهما اشتد ريحها أن تحركها أو تقلعها ..
أما أصحاب الدَّخَن، ومن أصاب إيمانهم الوَهَن، يتلجلجون لأدنى فتنة.. وما أكثر اضطراب غير الموحّد عند الابتلاء! لا يثبت ولا يصبر .. وكم من الرجال ـ مِنْ هؤلاء ـ مَنْ ينقلب على عقبيه عند أول فتنةكافراً محضاً من بعد الإسلام، أو ملحداً من بعد الإيمان، أو عاصياً فاجراً من بعد الاستقامة.. وكم مِنهم مَنْ يتخلى عن دينه بأول عرض رغيب أو رهيب {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خيرٌ اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين } [ الحج: 11 ] .. وهذا هو حال غير الموحّد في الشدة دائماً: الجزع، والهلع، والانهيار، واليأس والارتياب، قال تعالى { وإذا مسّه الشرّ كان يؤوساً } [ الإسراء: 83] وقال { وإنْ مسّه الشرّ فيؤوس قنوط}[فصلت: 49] .. أما المؤمن الموحّد فغير هؤلاء{ إن الإنسان خُلق هلوعاً. إذا مسّه الشر جزوعاً . وإذا مسّه الخير منوعاً . إلا المصلين } [ المعارج: 19-22] .
ولكنا وجدنا المرأة المسلمة في أول الإسلام لم يستطع العذاب أن ينال ـ مهما اشتدّ ـ من مثقال ذرة من إيمانها، ولم تؤثر في ثباتها على الحق والإيمان تقلبات الدهر والأحوال مهما كانت مريعة فظيعة، فلا يقهرها البلاء، ولا تفتت عضدها الفتنة، ولا تلين بمقامع التعذيب ، أو تلتفت لمفاتن الدنيا وتراغيب أولي الثراء وإغراءات أصحاب الدثور ممن أشرك وحارب الله، بل ثبتت تركل كل ذلك ماضية في سبيل الحق ونصرته والدعوة إليه مؤمنة موحدة لله الواحد الأحد، ترددبلسان المقال والحال يوافقهما الرجع والصدى من أعماق نفسها: [ عليها نحيا، وعليها نموت، وفي سبيلها نجاهد، وعليها نلقى الله ] .. تنادي إحداهن: كيفما قلبني الدهر يجدني من نسائه.. وتقرض الأخرى في وجه كل فتّان ضليل:
وتجلّدي للشامتين أُرِيهِمُ أني لريب الدهر لا أتضعضعُ
uفهذه سمية بنت الخياط أم عمار بن ياسر رضي الله عنهم ، نالها العذاب الأليم في جنب الله ـ هي وزوجها وابنها ـ وما من جبار عتيد في قريش إلا ساهم في تشديد العذاب عليها وعلى زوجها وولدها عمّار، إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله ص ويقول: (( صبراً آل ياسر! موعدكم الجنة )) ([3]) ، ومع ذلك لم يتزعزع الإيمان في قلبها، بل ثبتت واستمسكت بعروتها الوثقى ولم تُجْدِ مقامع التعذيب والترهيب بعد مطامع الترحيب والترغيب في إرجاعها عن دينها، ولم تفلح مساعي الكبراء في ارتدادها ، بل ثبتت مؤمنة موحدة صابرة قوية حتى أنهى عدو الله ورسوله ـ أبو جهل لعنه الله ـ تعذيبها بحربته وهي تأبى إلا الإسلام ، فكانت أول شهيد في الإسلام من الرجال والنساء جميعاً كما يقول مجاهد، رضي الله عنها .
u وهذه زنيرة الرومية من السابقات إلى الإسلام، وكانت ممن يعذب في الله أشدّ العذاب، وكان أبو جهل يعذبها، فأعتقها أبوبكر الصديق رضي الله عنه ضمن السبعة الذين أنقذهم من التعذيب، فذهب بصرها من شدة التعذيب حين أعتقها أبوبكر ، فاستغل المشركون في مكة هذا الحدث ـ كعادة أهل الباطل في كل حين، وكما يفعل اليهود والنصارى وأعداء الحق أجمعون اليوم ضد الدعاة والمستقيمين ـ يشيعون أن زنيرة لما كفرت باللات والعزّى أعمتها اللات والعزّى، فقالت المؤمنة الفاضلة رضي الله عنها: كذبوا وبيت الله! ما يغني اللات والعزى ولا ينفعان.. فردّ الله إليها بصرها كرامة لها وفضلاً .([4])
وهكذا يجب أن يكون المسلم، لا يتزعزع بكل حادثة ، ولايترنح بأقل ضربة ، ويرتاب بأول مواجهة، ولايضطرب بأدنى فتنة، ولا يتخلى عن التزامه وحاله وانتمائه بإشاعة تنال داعية ، أو تعذيب ينزل على بعضهم.. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به..