التوحيد والعبودية:
توحيد الله
تعالى هو الغاية المطلوبة من جميع المقامات والأعمال والأحوال
.. وهو أول منازل الطريق ، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله
تعالى.. وهو السرّ الذي يتجلى من الدين والشرع والحكمة والقوة
والسلطان، والدواء الذي يميت الخوف والشك، ويحيي الأمل
والرجاء، ويقهر كل صعب عسير ، ويذلِّل كل عقبة كؤود.. وهو أول
دعوة الرسل إذ قالوا لأقوامهم { يَا قَوْم اعْبُدُواْ اللهَ
مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه } ([1]).. وهو مفتاح دعوة
الرسل ، وبذلك أرسل النبي e رسوله إلى اليمن [ معاذ بن جبل رضي
الله عنه ] يوصيه أن يبدأ بذلك فقال له : ( إنك تقدم على قوم
من أهل كتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه: أن يوحّدوا الله
تعالى ، فإذا عرفوا ذلك ، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات
في يومهم وليلتهم..) الحديث... ([2])
وهو أول ما يدخل به في الإسلام ، وأول واجب يجب على المكلف،
وهو أيضاً آخر ما يجب أن يخرج به من الدنيا ، كما قال النبي
صلى الله عليه وسلم: ( من كان آخر كلامه : لا إله إلا الله ؛
دخل الجنة ) ([3])، وكان يرشد أمته أن يلقنوا موتاهم كلمة
التوحيد ،قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : ( لقنوا موتاكم قول : لا إله إلا الله)([4]).
فهو أول واجب، وآخر واجب ، والتوحيد أول الأمر وآخره.([5])
من التزمه وتحقق مقامه: نقى قلبه، وصفت روحه، وزكت نفسه، وطهر
من أرجاس الشرك، وسلم من أوهامه، ونجا من الشك والحيرة والتيه
إذ تخطف طير الشرك أصحابه تهوي بهم ريحه في السحيق مالهم من
قرار {وَمَن يُّشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ
السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ
فِي مَكَانٍ سَحِيق } ([6])..
إنها الصورة الصادقة لحال من يشرك بالله ، فيهوي من أفق
الإيمان السامق إلى حيث الفناء والانطواء والضياع، إذ يفقد
القاعدة الثابتة التي يطمئن إليها، قاعدة التوحيد، ويفقد
المستقر الآمن الذي يثوب إليه ، فتتخطفه الأهواء تخطف الجوارح
، وتتقاذفه الأوهام تقاذف الرياح ، وهو لايمسك بالعروة الوثقى
، ولا يستقر على القاعدة الثابتة التي تربطه بهذا الوجود الذي
يعيش فيه ..([7])
والتزام التوحيد وتحقق مقامه يتطلب تحقيق مجموع المعاني التي
تُحقِّق توحيد الله عز وجل، إذ التوحيد نوعان فيما اتفقت عليه
الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ، الأول: توحيد علمي يتعلق
بالأخبار والمعرفة، والثاني: توحيد سلوكي عملي يتعلق بالقصد
والطلب والإرادة.([8])
التحقق بتوحيد الأخبار والمعرفة
أما توحيد الأخبار والمعرفة: فالتحقق به يكون بالإيمان القاطع
الجازم والتسليم الكامل لكل مخبرات الدين القاطعة في الغيبيات
والنبوات والأسماء والصفات ، وبإثبات صفات الكمال للرب جل
وعلا، ونفي التشبيه والمثال عنه، وتنزيهه عن العيوب والنقائص،
وهذا بيّن ..
أما التوحيد السلوكي العملي فظاهر أنه لا يتحقق إلا بالعمل
والسلوك، ولذلك سيتركز كلامنا عليه إن شاء الله تعالى..
وهذا التوحيد على نوعين : توحيد في الربوبية، وتوحيد في
الألوهية..
التحقق بتوحيد الربوبية
توحيد الله في ربوبيته يكون بإفراده عز وجل في أمور ثلاثة هي:
الخلق والملك والتدبير..([9])
أما الخلق فله وحده عز وجل ، لا يشاركه فيه أحد ، ولا يقدر أن
يخلق مثله أحد ، ولقد أثبت الله تعالى أنه ما ترك لأحد غيره
شيئاً يخلقه مما ينفي أن يكون خالق إلا هو ، فقال تعالى: {
وخلق كل شئ فقدره تقديراً} ([10]) وقال في آية أخرى { إنا كل
شئ خلقناه بقدر}.([11])
وأما الملك فقد نفى رب العزة أن يكون من أحد قد شاركه في شئ من
ملكه حيث أثبت ذلك في قوله تعالى { الذي له ملك السموات
والأرض، ولم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شئ
فقدره تقديراً } ([12]).. وهذه الآية جمعت الأمور الثلاثة التي
يكون بها توحيد الربوبية ، فالملك أثبت أن له ملك السموات
والأرض وأنه لا شريك له في ملكه.. والخلق أثبت أنه خالق كل شئ
، والتدبير أثبت أنه المدبر للأمر وما خلق بقوله تعالى { فقدره
تقديراً } والتقدير هو التدبير ..
أمور يتحقق بها توحيد الربوبية:
وتوحيد الله سبحانه وتعالى في ربوبيته، وإفراده في الخلق
والملك والتدبير ، لايتم ولا يتحقق إلا بأمور، نذكر منها أربعة
:
الأمرالأول: الذي يتحقق به توحيد الربوبية هو: أن لا يتخذ
المؤمن الموحِّد من دون الله رباً يأخذ عنه الأوامر والتشريعات
والنظم والقيم والأحكام والقوانين، يحكم بها ولها يخضع..
وذلك أنه تعالى هو الشارع وهو الحاكم، منه الأوامركلها، وقد
قال تعالى {قل إن الأمر كله لله}([13])..ومنه أيضاً الأحكام
جميعاً ، وقد قال سبحانه { إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا
إلا إياه، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ([14])
و[إن] في الآية نافية بمعنى [ ما ] فقوله تعالى { إن الحكم إلا
لله } نفي وإثبات ، نفي للحكم عن أن يكون إلا لله، والإثبات
بعد النفي حصر ، فثبت أن الأحكام لا تكون إلا من الله تعالى..
وقد أنكر سبحانه على من يريد ابتغاء الأحكام من عند غير الله
تعالى فيقول على لسان المؤمن الموحّد الذي لا يبتغي غير الله
حكماً، ولا يرضى بأمر صدر من غير الله فيقول تعالى { أفغير
الله أبتغِي حَكَماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصّلاً }
([15]) وطالما قد أنزل الكتاب للناس مفصّلاً بالأوامر
والتشريعات؛؛ فلمَ اللجوء لغيره نأخذ عنهم التشريعات والأوامر؟
ولمَ نولّ وجوهنا شطر المشرق والمغرب نحتكم بقوانين الكفار من
الهنود والانجليز؟؟ وقد نطق القرآن بكفر ذلك في قوله تعالى {
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ([16]) ..
وهل كان شرك أهل الكتاب ونقضهم لعقيدة التوحيد، إلا باتخاذهم
الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله ليشرعوا لهم ويحلوا
ويحرموا ؟؟. حتى نعى عليهم رب العزة فقال { اتخذوا أحبارهم
ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم ، وما أمروا
إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون }
([17]) .
واتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله يعني أنهم تولوا
التحليل والتحريم وإصدار الأوامر والتشريعات من دون الله ،
فأشركوا بالله ما لم ينزل عليهم به سلطاناً ، كما جاء في تفسير
النبي e لهذه الآية في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه : ( أليس
يحرّمون ما أحل الله فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم الله
فتحلّونه؟ قال: بلى. فقال النبي ص : تلك عبادتهم )([18])
الأمر الثانـي:
والأمر الثاني الذي يتحقق به توحيد الله في ربوبيته : أن لا
يتخذ المؤمن الموحّد مع الله رباً يعظّمه ويجلّه كما يعظّم
الله ويجلّه ..
فالخوف: نفرد به الله ، ولا نخاف أحداً كخوفنا منه جلّ وعلا ،
ولقد كان الأنبياء والمرسلون ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ لا
يخافون إلا الله ، ولا يخشون إلا منه ، قال تعالى مخبراً عنهم
{الذين يُبَلِّغُون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا
الله ، وكفى بالله حسيباً } ([19]).
وكذلك العلماء كما ورثوا عن الأنبياء العلم والبلاغ؛ أيضاً
ورثوا منهم إفراد الله بالخوف، فقال تعالى عنهم { إنما يخشى
الله من عباده العلماء}([20]).. ولقد أنكر الله تعالى على من
يأخذه الخوف ويعتريه الوجل من غيره سبحانه ـ لا سيما من الكافر
ـ فيقرعهم ويعاتبهم ليدلهم على أنّ الأولى والأوجب في الخوف أن
يكون من الله ، فقال تعالى { ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم
وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة، أتخشونهم ، فالله أحق
أن تخشوه إن كنتم مؤمنين }([21]).
والرجاء: يجب أن يكون أعلاه في الله، لا يرجى معه غيره، وفي
صفة الموحدين وتوجه رجائهم يقول الله تعالى { إن الذين آمنوا
والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله
والله غفور رحيم } ([22]) أي: الموحدين في المحبة والمشركين
فيها { ومن الناس ولا يرجون سواه ..
والمحبة: يجب أن يكون أشدها لله تعالى ، كما قال سبحانه يقارن
بين الموحدين في المحبة والمشركين فيها { ومن الناس من يتخذ من
دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشدّ حباً
لله } ([23])
والولاء: أيضاً يجب أن يتوجه لله وحده لا لغيره ، أما ولاء
الرسول e والمؤمنين؛ فتبع لولاية الله عز وجل ، وبذلك علّم رب
العزة نبيه ص والمؤمنين من ورائه أن التوحيد في توجيه الولاء
لله دون سواه فقال تعالى { قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر
السموات والأرض وهو يُطْعِم ولا يُطْعَم، قل إني أمرت أن أكون
أول من أسلم ، ولا تكونن من المشركين } ([24])
فصدّر الآية بإنكار اتخاذ غير الله ولياً ، وهو دال على
التحريم ، ثم يبين أن عدم اتخاذ غير الله ولياً هو أول الإسلام
، ثم يذيّل الآية بالتحذير من الوقوع في الشرك ليقطع بأن ولاية
غير الله يوقع في الشرك المناقض للتوحيد والإيمان ..
فكل من والى الله وحده فهو مؤمن موحّد، وكل من والى غير الله
فهوكافر مشرك، ومصداق ذلك قول الله تعالى الذي قابل فيه بين
أولياء الله المؤمنين ، وأولياء غير الله الكافرين، فقال تعالى
{ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين
كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات، أولئك
أصحاب النار هم فيها خالدون} ([25])
وهذه الأمور كلها ـ الخوف والرجاء والمحبة والولاء ـ مطلوبة
بمجموعها، وضرورية حتى يتحقق توحيد الخالق في ربوبيته ويستقيم
إيمان المؤمن .
قال العلماء: » من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده
بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئي « .
([26])
الأمر الثالث :
والأمر الثالث الذي يتحقق به توحيد الربوبية هو: أن يوحّد
المؤمن ربه عز وجل في الرزق، فيعتقد جازماً أن الرزق لا يأتي
إلا من عنده، وأنه هو الرزاق ذو القوة المتين.
والقرآن في كل موارد كلمة الرزق في آياته يدعو إلى توحيد الله
في الرزق..
فيُثبت أولاً: أنه لا رازق إلا هو، فيتحدى أن يكون رازق غير
الله أو خالق يرزق من دون الله، فيقول تعالى مقرراً البشر على
أنه الرازق الواحد { قل من يرزقكم من السموات والأرض قل
الله}([27]) .. ويقول في آية أخرى يقررهم أيضاً على أنه الرب
الرازق بلا شريك { قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك
السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي
ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون}([28]).. كما قال
في سورة فاطر { هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض
لا إله إلا هو فأنى تؤفكون } ([29])
وينسب ثانياً: الرزق في كل موارده إليه سبحانه ، ولم يُنسب إلى
سواه إلا في موضعين من سورة النساء ، وفيهما جاء الرزق بمعنى
الإعطاء ، وهما قوله تعالى { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي
جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً
معروفاً }([30]) .. وقوله تعالى {وإذا حضر القسمة أولوا القربى
واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفاً
}([31]) أي: أعطوهم ..
وينفي ثالثاً: أن يكون الرزق من عند غير الله ، خاصة الناس،
فخزائن الرزق عنده سبحانه وحده ولم تكن عند غيره ، والعلة كما
ذكر الله تعالى في قوله : { قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي
إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتوراً}.([32])
بل نفى القرآن أن يكون الرزق أصلاً في الأرض في قوله تعالى {
وفي السماء رزقكم وما توعدون } ([33]) فلا مدخل للبشر في الرزق
حتى يتحكموا في الرقاب ويتملكوا النواصي يذلون الفقراء
والمساكين والمحتاجين فيشركون بهم رب العزة معتقدين أن رزقهم
بأيديهم ..
فبسبب الرزق وقع شرك عظيم، فعنتْ وجوه كثير من المسلمين ـ قادة
وحكاماً وأمراء وسلاطين وعلماء ومفكرين ودولاً وأفراداً ـ عنت
وجوه كثير منهم لغير الحي القيوم، بل للشرق أو للغرب، لأمريكا
وإسرائيل والكفار والمشركين، يبتغون عندهم الرزق..
لهذا دعا القرآن بكل هذه الطرق إلى توحيد الله الرزاق الكريم،
لئلا يُطلب رزق من غيره، ولا يُبتغى عند غيره، ولا يُعبد بسببه
غيره، فقال تعالى { إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم
رزقاً، فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون
} ([34])
الأمر الرابع:
والأمر الرابع الذي يتحقق به توحيد الله تعالى في ربوبيته هو :
أن يتنزّه المؤمن الموحّد عن جميع أنواع وأشكال وصور الجاهلية
المناقضة للتوحيد.. والجاهلية ثلاثة أنواع:([35])
النوع الأول: الجاهلية المحضة، وهي الملحدة: وأصحاب هذه
الجاهلية يعتقدون أن هذا العالم ونظامه كله حادث حدث مصادفة،
فليس وراءه حكمة تدبره، ولا إله يخلقه ويقدره، وإنما ظهر إلى
الوجود فجأة، وهكذا هو سائر في طريقه بلا قصد ولا غاية، وسوف
يبلغ منتهاه من غير أن تكون له عاقبة ..
هؤلاء كالشيوعيين الذين قالوا: الطبيعة خلقت الطبيعة ..
وكالذين قالوا: لا إله والحياة مادة والموت إهمال.. وكالدهريين
الذين أخبر الله عنهم أنهم قالوا: {ما هي إلا حياتنا الدنيا
نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر}([36])..
النوع الثاني: الجاهلية المشركة: والجاهليون من هذا النوع
يعتقدون أن هذا الكون لا ريب أنه لم ينبعث مصادفة ، ولم يوجد
بلا واجد، ولا هو قائم بدون إله مدبر خالق ، إلا أنه ليس له
إله واحد، بل آلهة متعددة..
والنوع الثالث: الجاهلية الرهبانية: وهي الجاهلية التي تنبني
على انقطاع تام عن الدنيا بسلبية تنزع إلى الخروج من الحياة
الدنيا بنظرة قنوطية يائسة تحصر الدين كله في الانقطاع عن
الدنيا بطقوس مخترعة وعبادات مبتدعة..
هذه الأمور الأربعة بمجموعها ـ وغيرها ـ ضرورية لتحقيق توحيد
الله عز وجل في ربوبيته..
توحيد الألوهية هو إفراد الله عز وجل بالعبادة، وأن يعتقد
جازماً بأنه الإله الحق الواحد الأحد، الذي يستحق العبادة وتجب
له دون سواه..
هذا المعنى والاعتقاد لا يتحقق إلا بمجموع أمور، نذكر منها
أربعة أيضاً بتوفيق الله ..
الأمر الأول :
الأمر الأول الذي يتحقق به توحيد الله تعالى بالعبادة، هو : أن
يعتقد يقيناً أنه لا معبود بحق إلا الله، على كثرة الآلهة
المعبودة، لأن ألوهية الله حقيقية، وألوهية ما سوى الله وضعية
وهمية باطلة، من وضع أوهام الكفار الذي لا يعقلون، قال تعالى
عن الآلهة من دونه { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما
أنزل الله بها من سلطان } ([37]) .. وفي كونها باطلة يقول
تعالى { ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل
} ([38])
الأمر الثاني:
والأمر الثاني الذي يتحقق به توحيد الألوهية هو : أن يفرد الله
عز وجل وحده بالطاعة المطلقة، فلا يطيع أحداً بإطلاق إلا الله
ومن أمر الله أن يطاع بإطلاق ـ وهو الرسول e ـ ..
أما غيره فلا يطاع بإطلاق مهما كان هذا المطاع : ملكاً أو
أميراً أو شيخاً أو ولياً أو أباً أو أماً.. هؤلاء جميعاً
طاعتهم مقيدة بعلم كون المأمور به معروفاً وحقاً ومن مرضات
الله تعالى، وإلا فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق..
ولقد أكّد النبي ص في الحديث الصحيح أن ضابط الطاعة أن يكون في
المعروف والحق فيقول ص: ( لا طاعة في معصية الله عز وجل، إنما
الطاعة في المعروف ) ([39]) .. وينفي أن تكون الطاعة في معاصي
الله، فيقول في الحديث المتفق عليه : ( على المرء المسلم السمع
والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية ،فإن أُمر بمعصية،
فلا سمع ولا طاعة ) ([40]).
وهذا ما قرّره أكابر الموحدين من رعيل سلفنا الصالح وخلفاء
رسول الله ص في الحكم والاحتكام بكتاب الله .
يقول أبوبكر الصديق رضي الله تعالى عنه لرعيته حين ولّوه
الخلافة: » أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته، فلا طاعة
لي عليكم . « ([41]).
ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ذات المنبر : » إنه لم
يبلغ ذو حق في حقه أن يطاع في معصية الله. « ([42])..
فلا يجوز أن يطاع أحد بإطلاق إلا الله..
الأمر الثالث:
والأمر الثالث الذي يتحقق به توحيد الألوهية، هو: أن يجزم
المؤمن الموحّد بأن المخلوقات كلها من إنس وجنّ، أو غيرهما ،
مهما علا كعبهم في الصلاح، أوعرفوا بالتقوى، أو أحيطوا بالقوة
والسلطة والجاه ، أو كانوا حتى من المصطفين الأخيار من النبيين
والمرسلين؛ أن يجزم بأن كل المخلوقات عاجزة قاصرة عن الألوهية،
لا تملك لأنفسها ضراً ولا نفعاً، ولا تملك موتاً ولا حياتاً
ولا نشوراً، لذلك لم يكونوا يوماً مستحقين للعبادة.
وقد أنكر الله على من يفعل ذلك، فقال تعالى { واتخذوا من دون
الله آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم
ضراً ولا نفعاً، ولا يملكون موتاً ولا حياتاً ولا نشوراً }
([43])
الأمر الرابع:
أما الأمر الرابع الذي يتحقق به توحيد الله تعالى في ألوهيته،
فهو : أن يتوجَّه المؤمن الموحّد بالعبودية الكاملة الخالصة
لله وحده..
وهذا يقتضي ويستلزم أن يباين ويفاصل بينه وبين كل المعبودات
التي تنفرد بالعبد من دون الله، أو التي تجعله يشرك بها الله ،
ليكون بعد المفاصلة والمباينة عبداً خالصاً لله المعبود الواحد
الحق دونما شركاء أو أنداد.
ووجه ذلك: أن الإنسان عبدٌ بفطرته وطبيعته وتكوينه ووظيفته،
فلو لم يعبد الله عبد غيره، ولا يقدر أبداً أن يتمرد على
العبادة ، وإن تمرد على عبادة الله ، لأنه عبدٌ إما لله وإما
لغيره.. والذين يظنون أنهم تحرروا من العبودية بمجرد رفضهم
عبادة الله والخضوع له والاستسلام لأمره؛؛ مخدوعون خائبون!!
لأنهم ما إن تمرّدوا على عبادة الله المستحق للعبادة وجوباً
إلا ووقعوا في عبادة من هو أدنى وأحط وأحقر ..
فمن هؤلاء من هو عابد للهوى:
وقد أخبر الله تعالى عن فئة من الناس يتخذون الهوى إلهاً من
دون الله، فوقعوا بذلك في الضلال البعيد، يقول الله تعالى {
أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم، وختم على سمعه
وقلبه، وجعل على بصره غشاوة } ([44]).. ويقول تعالى { أرأيت من
اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً } ([45])
ومن هؤلاء من هو عابد للطاغوت:
وقد يقع في هذه العبودية الباطلة من عرف الله ، وبلغه أمره ،
وجاءه كتابه ، وها هي فئة من أهل الكتاب تعبد الجبت والطاغوت ،
قال تعالى يخبر عنهم { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من
الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت } ([46]) .. ويقول عن أهل
الكتاب أيضاً في سورة أخرى يخبر أن منهم عبد الطاغوت { وجعل
منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت}([47])..
وفي المقابل يبشّر رب العزة من اجتنب عبادة الطاغوت فيقول
{والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم
البشرى فبشّر عبادِ } ([48])
ومن هؤلاء من هو عابد للمرأة: كالذي تغنى بكفر ـ عافانا الله
ـ:
وليت سليمى في المنام ضجيعتي
لدى الجنة الخضراء أو في جهنم
ومن هؤلاء من هو عابد للجمال : كالذي أنشد بسكر ـ حفظنا الله
ـ :
والله لولا الله بارئ حسنها
لجمالها الزاهي جعلت سجودي
ومن هؤلاء من هو عابد للفجور والخمور: أمثال سعيد بن فاخر
الملقب [بقاضي البقر] ـ نعوذ بالله أن نكون من الجاهلين ـ إذ
يقول :
يا رب دعـــني بلا صــــلاح يا رب ذرني بلا فـلاح
يدي مدى الدهر فوق رِدْفٍ وراحتي تحت كأس راح
وفي هذا المعنى روي عن النبي ص أنه قال ( مدمن الخمر كعابد
الوثن) ([49])
ومن هؤلاء من هو عابد للمال: كما في حديث أبي هريرة رضي الله
عنه أن النبي ص قال : ( تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة
والخميصة، إن أُعطي رضي، وإن لم يُعط لم يرض ) ([50])
ومن هؤلاء من هو عابد للعباد أمثاله: كالذين أخبر الله عنهم
في قوله تعالى { أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني
أولياء، إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلاً } ([51])
ولذلك انطلق الداعية الموفق من رعيل سلفنا الصالح الأول رضي
الله تعالى عنه، ينادي في أرجاء الأرض هاتفاً :
» جئنا لنحرر الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد«
هؤلاء ـ يا حسرة عليهم ـ تهاووا من العبودية الرفيعة [ عبودية
الله] ليسقطوا في دركات العبودية الوضيعة [ عبودية غير الله
].. وفروا من العبودية الشريفة ليقعوا في العبودية السفيهة.
أما عبودية الله وحده فهي الشرف وهي الرفعة لمن وفقه الله
فوحّده بها ، حتى قال الموحِّد الموفَّق بفضل الله تعالى وكرمه
ومنّه، يفخر بعبوديته لله وحده :
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمَدَ لي نبيـــا
وأهل الفضل والشرف والرفعة من عموم البشر والخلق أجمعين يتمنون
أن يبقوا عباداً لله تعالى، ولا يستنكفون ، ويقول تعالى عن
أنبيائه والملائكة المقربين : { لن يستنكف المسيح أن يكون
عبداً لله ولا الملائكة المقربون} ([52]).
وما منّ الله تعالى بنعمة من نعمه العظيمة التي خصّ بها نبيه
وصفيه محمداً ص إلا وصفه في معرض المنّ عليه بالعبودية، وهو
أكمل وصف، وأجمل وصف، وأعز وصف ، وأحب وصف لله ولرسوله
وللمؤمنين.. فلما أكرمه بالإسراء وخصه بهذه النعمة وصفه
بالعبودية فقال { سبحان الذي أسرى بعبده}([53]).. وعندما أكرمه
بالقرآن وخصّه بنعمته وصفه بالعبودية فقال {الحمد لله الذي
أنزل على عبده الكتاب } .([54])
* * *
آثار التوحيد
وصفات الموحدين
لا شك أن تحقق مقام التوحيد بتحقيق ما ذُكر من الأمور ؛ توصل
بالموحّد إلى درجات سامية من الصلاح الظاهر ، يتعالى على زخارف
الدنيا وزينتها ، ويتغاضى عن سفاسف العاجلة وحطامها.. ينطلق في
ثبات وطُمأنينة إلى غايته الأسمى ، وهدفه الأغلى ـ إرضاء الله
عز وجل وبلوغ الجنة ـ .. لا يرى سوى الجنة مطلباً، ولا يبتغي
سوى الله رباً، ولا عدى مرضاته مربحاً، فيُثمر التوحيد فيه ما
يراد منه، ويُرى فيه آثاره باهرة ظاهرة.
وهنا ننبّه إلى بعض ذلك ـ والله الموفّق ـ ..
lطمأنينةالنفس:
1ـ فالموحّد تجده مطمئن النفس، هادئ البال، قرير العين، ليس
بالقلِق ولا بالحيران، يعرف من هو؟ ومن أين أتى؟ ولماذا كان،
وما غاية وجوده، وإلى أين يسير، فاطمأنت نفسه.. أما ذاك الذي
لا يعرف من هو ، ومن يعبد، ولماذا وجد، وإلى أين يسير! فقد
استهوته الشياطين في الأرض حيران قلق ، تخطفه الطير وترمي به
في مكان سحيق، يتغنى في شك وحيرة واضطراب وقلق:([55])
جئت لا أعلم من أين، ولكني أتيــــــــت
ولقد أبصرت قدامي طريقــــاً فمشيــــت
وسأبقى سائراً إن شئت هـــــذا أو أبيت
كيف جئـــــت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!
أجديد أم قديم أنا في هـــــــذا الوجود؟
هل أنا حرٌ طليق، أم أسيرُ في قيـــــــود؟
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقـــود؟
أتمنى أنني أدري، ولكن!!...
لست أدري!
أتراني قبلما أصبحت إنساناً ســـــــويّا
كنت محواً ومحالاً، أم تراني كنت شيّــا؟
ألهذا اللغـــز حل، أم سيبـــــقى أبديّــا؟
لســـت أدري!.. ولماذا لســت أدري!
لست أدري !
هذا حال الحيران القلق، لأنه ارتاب في وجود الله وصنعته، وفي
عدله ورحمته، ولا يزال في شك منه ومن بعثه ونشوره، وجزائه في
الآخرة ، ولم يكد يصدق أو يؤمن لوحيه ورسالاته، فكيف لا يحار
؟؟..وصدق الله إذ يقول: { أَفَمَن يَّمْشِي مُكِبَّاً عَلَى
وَجْهِهِ أَهْدَى، أَمَّن يَّمْشِي سَوِيَّاً عَلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيم }.([56])
أما المؤمن الموحّد فمطمئن القلب والنفس، لأنه يدري من هو، ومن
يعبد، ومن يذكر، فهو يعبد رباً خالقاً قادراً ليس كمثله شئ،
وهو يذكر هذا الرب ولا يذكر معه سواه، فاطمئن قلبه، وبذكر الله
تطمئن القلوب، قال تعالى { قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه
من أناب. الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله
تطمئن القلوب } ([57])..
* * *
lالأمن الوافر:
2ـ والموحّد أمن كل شئ إلا مكر الله ـ ولا يأمن مكر الله إلا
القوم الضالون ـ فهو آمِنٌ ، لأنه آمَنَ بالله واهتدى بهديه
ولم يشرك به شيئاً ، فاستحق الأمن، ولما أراد المشركون من قوم
إبراهيم ـ عليه السلام ـ أن يخيفوه بآلهتهم، يتوعدونه بالقتل
والثأر لأربابهم الباطلة، تعجب! وهو المؤمن الموحّد المستسلم
لربه القادر الحافظ لعباده، العاصم لأنبيائه والدعاة إليه
المخلصين، تعجب يقول ـ كما يخبر القرآن ـ { وكيف أخاف ما
أشركتم، ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم
سلطاناً، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ؟ } فيجيب
الله تعالى معقباً على ذلك يفصل بين النبي وقومه { الذين آمنوا
ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون }. ([58])
فالموحّد آمن على رزقه:
وقد علم أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ، فمن يمنع عنه
الرزق إن كان معبوده الأحد هو مالك الرزق، وهو صاحب القوة
المتين يحمي له رزقه؟.
أمِن على رزقه لأنه تيقن أنَّ رزقه آتيه، وأنه مستوفيه ، وفي
حديث ابن ماجة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول
الله ص: (أيها الناس ! اتقوا الله وأجملوا في الطلب ، فإن
نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها ، وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله
وأجملوا في الطلب ، خذوا ما حلّ، ودعوا ما حرُم) ([59])..
وتيقن أن الرزق مقسوم ، فأمن وارتاح، وفي صحيح مسلم أن أم
حبيبة رضي الله عنها قالت: اللهم ! متعني بزوجي، رسول الله ص،
وبأبي، أبي سفيان، وبأخي، معاوية. فقال لها رسول الله ص : (
إنك سألت الله لآجال مضروبة، وآثارموطوءة، وأرزاق مقسومة، لا
يُعَجِّل شيئاً منها قبل حِلِّه، ولا يؤخر منها شيئاً بعد
حِلِّه، ولو سألت الله أن يعافيك من عذاب في النار، وعذاب في
القبر، لكان خيراً لك ) .([60])
فقنع وأمن ينشد مع الإمام الشافعي رحمه الله تعالى :
أنا إن عشت لست أعدم قوتاً وإذا مت لست أعدم قبرا
همتي همة الملـــوك ونفســي نفس حرٍّ يرى المذلة كفرا
وإذا ما قنعت بالقوت عمري فلماذا أخاف زيداً وعَمْرا([61])
والموحّد آمن على أجله:
فلا يخاف الموت، ولا يفر منه ، لأنه يعلم يقيناً أن العمر
محدود، وأن الأجل موقوت، وأن الموت آت..
¨يعلم أنه: { ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها } ([62])
¨ وأنه: { إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون
}([63])
¨ ولأن عقيدته : { إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم }
([64])
¨ ولأن يقينه: { أينما تكونوا يدركْكُم الموت ولو كنتم في بروج
مشيّدة}([65])
بل ربما حرص على الموت أكثر من حرص المشرك غير الموحّد على
الحياة، وقد قال تعالى عن غير الموحدين: { ولتجدنهم أحرص الناس
على حياة ومن الذين أشركوا يودّ أحدهم لو يعمّر ألف سنة، وما
هو بمزحزحه من العذاب أن يعمّر } ([66])
وحرْص الموحّد على الموت ربما لأنه يوصله إلى ربه الكريم الذي
يعطي الجزيل ويعفو عن العظيم ..
قيل لأعرابي اشتد مرضه: إنك ستموت. فقال: وإلى أين يُذهب بي
بعد الموت؟ قالوا: إلى الله . فقال : ويحكم! وكيف أخاف الذهاب
إلى من لا أرى الخير إلا من عنده ؟ .([67])
وربما حرصه على الموت لأن الموت يقربه من الحبيب.. قال يحيى بن
معاذ رحمه الله تعالى : » لا يكره لقاء الموت إلا مريب، فهو
الذي يقرّب الحبيب من الحبيب.« ([68])
وحين حضرت الوفاة بلال بن رباح مؤذن رسول الله ص رضي الله عنه
نادت امرأته: وا حزناه! فقال بلالٌ : بل وا طرباه! غداً ألقى
الأحبة محمداً وحزبه.([69])
ولهذا كان أبوبكر الصديق رضي الله عنه وهو من سادة الموحدين
يقول: » احرص على الموت توهب لك الحياة «
وكان عليٌ رضي الله عنه وهو من أكابر الموحدين يردد:
أي يومي من الموت أفر يوم لا يقــدر أم يوم قُــــدر
يوم لا يقدر لا أرهـــبه ومن المقدور لا ينجي الحذر
ولما حاصر المسلمون حصن المقوقس، أرسل المقوقس جماعة من جنده
يستطلعون خبر جيش المسلمين، فلما رجعوا إليه سألهم: كيف
رأيتموهم؟. قالوا : رأينا قوماً الموت أحبّ إليهم من الحياة،
والتواضع أحبّ إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا
نهمة، وإنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم
كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيد من العبد.
فقال المقوقس عند ذاك: » لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال
لأزالوها، ولن يقوى على قتالهم أحد. «
وصدق من أنشد:
طلبوا الموت لاذ منهم فـــراراً ويرجِّي لو يُطلب الإحياء
طلبوا الموت فاستحقوا خلوداً في نعيم لا يعتريه انتهــاء
* * *
lدوام الاعتزاز:
3ـ لأنه وحّد الله في توجهه وعبادته واعتقاده، والعزة كلها لله
، فبتعلقه وتوجهه وتعبده له وحده اكتسب العزة، وطلبها منه
فنالها.
قال تعالى { من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً } ([70])
» وهذه الحقيقة كفيلة حين تستقر في القلوب أن تبدِّل المعايير
كلها، إن العزة كلها لله، وليس شئ منها عند أحد سواه، فمن كان
يريد العزة فليطلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره،
ليطلبها عند الله، فهو واجدها هناك، وليس بواجدها عند أحد، ولا
في كنف أحد، ولا بأي سبب { فلله العزة جميعاً } . « ...
» يكفي أن تستقر هذه الحقيقة وحدها في أي قلب ليقف به أمام
الدنيا كلها عزيزاً كريماً ثابتاً في وقفته غير مزعزع، عارفاً
طريقه إلى العزة، طريقه الذي ليس هنالك سواه!.. «
» إنه لن يحني رأسه لمخلوق متجبر، ولا لعاصفة طاغية، ولا لحدث
جلل، ولا لوضع ولا لحكم، ولا لدولة ولا لمصلحة، ولا لقوة من
قوى الأرض جميعاً، وعلام؟ والعزة لله جميعاً؟ وليس لأحد منها
شئ إلا برضاه؟
هذه الحقيقة إذا استقرت في القلب ، استعلى بها المؤمن على كل
أسباب الذلة والانحناء لغير الله، بل يستعلي بها على نفسه،
وعلى شهواته المذلّة، ورغائبه القاهرة، ومخاوفه ومطامعه من
الناس وغير الناس.. ومتى استعلى على هذه؛ فلن يملك أحد وسيلة
لإذلاله وإخضاعه.. وهذه هي العزة الحقيقية.. « ([71])
أما غير المؤمن الموحّد من المشركين والمنافقين وغيرهم ـ خيبهم
الله ـ يبتغون العزة في غير مبتغاها، ويسعون لها في غير
مسعاها، ويطلبونها في غير أهلها، يتولون الكافرين من دون
المؤمنين ليجدوا عندهم العزة، وقد خابوا وخسروا: { بشّر
المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً. الذين يتخذون الكافرين
أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة، فإن العزة لله
جميعاً } ([72])..
* * *
l الثبات في النفس والحال:
والمؤمن الموحّد ثابت ثبات الجبال، لا يتزعزع ولا يتزحزح ،
لأنه على الحق يحيا، وبالحق يدعو، وإلى الحق يسير ويمضي.. ثابت
في نفسه بالإيمان، وثابت في حاله بالالتزام بمقتضى الإيمان..
إذا ابتلي في دينه ثبت وما تزعزع، وإن عذب في الله استقر على
حاله كالجبل الأشم لا يتهاوى إلا من به ارتطم..
ولنا في ذلك روائع:
1ـ الثبات عند البلاء والفتنة:
ما أكثر ما يضطرب غير الموحد عند البلاء والفتنة، لا يثبت
ولايصبر، بل ربما ينقلب على عقبيه كافراً محضاً من بعد الإيمان
والإسلام، كما قال تعالى عن فئتهم: { ومِن الناس مَنْ يعبد
الله على حرف، فإنْ أصابه خيرٌ اطمأنّ به، وإن أصابته فتنة
انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين }
([73]).
أما المؤمن الموحّد فلا تجده يقهره البلاء ولا تفتت عضده
الفتنة، ولا يلين فيترنح، بل يثبت ويمضي مؤمناً موحداً لله
الواحد الأحد.
فهذا كعب بن مالك رضي الله عنه وصاحبيه يقاطعهم الرسول ص
والمؤمنون شهرين إلا عشرة أيام مقاطعة كاملة، حتى أبعدت عنهم
زوجاتهم، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وهم في هذه الحال من
البلاء الشديد، يخرج كعب يوماً إلى السوق ، يقول كعب رضي الله
عنه:
»... فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا أنا بنبطي من أنباط
الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدل على كعب بن
مالك. فطفق الناس يشيرون له إليّ، حتى جاء فدفع إليّ كتاباً من
ملك غسان، وكنت كاتباً، فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك
قد جفاك وأن الله لم يجعلك في دار هوان ولا مضيعة، فألحق بنا
نواسك. فقلت حين قرأته: وهذا أيضاً من البلاء، فتيممت به
التنور فسجرته به. « ([74])..
هكذا يكون الموحدون، لا يستجيبون لإغراءات الدنيا ونداءات
المالكين لزمامها، ولو جفاهم مجتمع الإسلام حيناً طويلاً،
وهكذا عجزت مغريات ملك غسان أن تثني هذا المؤمن الثابت، ولا أن
تزحزحه عن ولائه لله ولرسوله وللمؤمنين.. رضي الله تعالى عنه
وعن صاحبيه..
2ـ الثبات عند العذاب:
وكم ممن تراخت عزائمهم أمام فتنة أو عذاب يصيبهم في الله
فيُهرع عن الله مع المدبرين، يستهين بعذاب الله أمام فتنة
الناس، فيتساقط، ويسفه نفسه بالرغبة عن الله: { ومن يرغب عن
ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه..} ([75]) ..
عن هؤلاء قال تعالى { ومن الناس من يقول آمنا بالله، فإذا أوذي
في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله}. ([76])
أما المؤمن الموحّد فلا يرتاب في الله ، ولا يُنقِص مثقال ذرة
من إيمانه أرتال العذاب تنصب عليه، ولا يتزحزح عن الحق الذي
عليه شبراً بتوالي الإيذاء والتعذيب والتنكيل، ولكن تجده
ثابتاً راسخاً قابضاً على دينه، يوحّد ربه، ولا يرتد على عقب..
ورضي الله عن مؤذن رسول الله ص بلال بن رباح ، لما أسلم في
قريش كم نالوه بالأذى والعذاب، ولا يزال على ثبات يندر في أولي
العزم من غير الرسل..
كان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه في بطحاء مكة،
ثم يأمر به بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا
تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزّى، وبلال
يقول ـ في ذلك البلاء ـ : أحدٌ أحد.. حتى كان عمار بن ياسر
يقول وهو يذكر بلالاً وأصحابه وما كانوا فيه من البلاء، وإعتاق
أبي بكر إياه، وكان اسم أبي بكر [ عتيقاً] رضي الله عنه:
([77])
جزى الله خيراً عن بلال وصحبه عتيقاً وأخزى فاكهاً وأبا جهـــل
عشيــــة هَمّا في بلال بســـــوءة ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو
العقل
بتوحيده رب الأنـــــام وقولـــــه شهدت بأن الله ربي على
مهــل
فإن يقتلوني يقتلــــوني فلم أكـن لأشرك بالرحمن من خيفة
القتــل
فيا رب إبراهيم والعبــــــد يونس وموسى وعيسى نجني ثم لا
تبــلِ
لمن ظل يهوى الغي من آل غالب على غير برّ كان منه ولا عـــدل
3ـ الثبات عند القتل:
كثيٌر من يتلجلج عند احتدام الصفوف، وكثير من يتولّ فريق الكفر
خشية الدائرة يتخلى عن ولائه لله وعن المؤمنين بالله، وكثيرٌ
من يلج صف الشرك إذا حمي الوطيس.. وهؤلاء هم من امتلأ قلوبهم
مرضاً وزيغاً، وكما قال سبحانه: { فترى الذين في قلوبهم مرض
يسارعون فيهم، يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، فعسى الله أن يأتي
بالفتح من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين}.([78])
أما المؤمن الذي ترسّخ الإيمان في قلبه، وتحقق بمعاني التوحيد؛
فلا يزال ثابتاً على ما استقر عليه من الإيمان والتوحيد.. حتى
إذا لقي العدو القوي الناقم؛؛ ثبت، وما تراجع أو تقهقر، وإن
أدّى إلى تقتيله وتقطيعه.. كيف لا؟ وهو الذي يلقى ما يلقى في
الله، وإن قُتل فهو إلى الله يرجع، وإن صُرع فهو في الله
يُصرع..
وهذا خبيب بن عدي رضي الله عنه حين صلبه المشركون في مكة
يخوفونه بالقتل والموت، فيريهم حال الموحّد المؤمن في الثبات
عند الملمات، فلا يتخشع ولا يذلّ ولا يخاف ولا يخار ولا ينهار،
بل ينشد في ثبات:([79])
ولست أبالي حين أُقتل مسلمـاً
على أي جنب كان في الله مصرعــــي
ولست بمبدٍ للعـــدو تخشّعــــاً
ولا جزعـــاً إني إلى الله مرجــــــــعي
وذلك في ذات الإله وإن يشــأ
يبارك على أوصـــال شــــــلوٍ ممــزّعِ
وبهذا طالب رب العزة المؤمنين الموحّدين، يقول لهم: { يا أيها
الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم
تفلحون } ([80])
والله تعالى يعينهم على الثبات في النفس والحال، ما داموا على
التوحيد ثابتين، في حياتهم الدنيا في الآخرة، فقال تعالى: {
يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي
الآخرة، ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء}..([81])
([2]) أخرجه البخاري في التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ص
أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى، برقم [7372 ]: ج13 ص 347
بفتح الباري ،وفي كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، برقم [ 1395]،
ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام
، برقم [ 31] : ج1 ص 148-149 بشرح النووي ، واللفظ للبخاري في
كتاب التوحيد.
([3]) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز، باب في التلقين، حديث رقم
[ 3116 ] : ج3 ص 190 ، والحاكم : ج1 ص 351 ، وأحمد في المسند :
ج5 ص 233 ، وإسناده حسن .
([4]) أبوداود، كتاب الجنائز، باب في التلقين، حديث رقم [ 3117
] : ج3 ص 190 .
([5]) انظر: مدارج السالكين : ج3 ص 443-444 .
([6]) سورة الحج : 31 .
([7]) انظر : في ظلال القرآن ، لسيد قطب : ج4 ص 2421-2422 .
([8]) انظر: مدارج السالكين نفسه : ج1 ص 24 - 25.
([9]) شرح العقيدة الواسطية، لمحمد الصالح بن عثيمين: ج1 ص 76.
([10]) سورة الفرقان: 2.
([11]) سورةالقمر: 49.
([12]) سورة الفرقان: 2.
([13]) سورة آل عمران: 154.
([14]) سورة يوسف: 40 .
([15]) سورة الأنعام: 114 .
([16]) سورة المائدة: 44 .
([17]) سورة التوبة: 31 .
([18]) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير، برقم [ 3095] : ج5 ص
278، وابن جرير الطبري في تفسيره : م6 ج10 ص 114، واللفظ له ،
وعزاه ابن كثير في تفسيره : (2 /333) إلى الإمام أحمد .
([19]) سورة الأحزاب: 39 .
([20]) سورة فاطر: 28 .
([21]) سورة التوبة: 13 .
([22]) سورة البقرة: 218.
([23]) سورة البقرة : 165.
([24]) سورة الأنعام : 14.
([25]) سورة البقرة: 257.
([26]) مجمل أصول أهل السنة والجماعة في العقيدة، د. ناصر عبد
الكريم العقل: ص 13.
([27]) سورة سبأ: 24.
([28]) سورة يونس: 31.
([29]) سورة فاطر: 3 .
([30]) سورة النساء : 5 .
([31]) سورة النساء : 8 .
([32]) سورة الإسراء : 100.
([33]) سورة الذاريات : 22.
([34]) سورة العنكبوت : 17.
([35]) راجع: موجز تاريخ تجديد الدين، أبو الأعلى المودودي: ص
16 - 20.
([36]) سورة الجاثية : 24.
([37]) سورة النجم : 23.
([38]) سورة لقمان : 30.
([39]) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في
غير معصية، برقم[ 39]: ج12 ص 430 - 431، بشرح النووي.
([40]) البخاري ، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما
لم تكن معصية، حديث رقم [7144]: ج13 ص 121 - 122، بفتح الباري،
ومسلم كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، حديث
رقم[ 38] : ج12 ص 430،بشرح النووي، واللفظ لمسلم.
([41]) تاريخ الخلفاء ، للسيوطي : ص 66.
([42]) انظر: الخراج لأبي يوسف : ص 13، ورقابة الأمة على
الحاكم، د. على حسنين، وانظر: مناهج الشريعة الإسلامية، أحمد
محي الدين العجوز: ج1 ص 120، وراجع كتابنا (مناصحة الحكام،
فقهها وطرائقها) : ص 51، 97.
([43]) سورة الفرقان : 3.
([44]) سورة الجاثية : 23.
([45]) سورة الفرقان : 43.
([46]) سورة النساء : 51.
([47]) سورة المائدة : 60.
([48]) سورة الزمر : 17.
([49]) أخرجه ابن ماجة ، كتاب الأشربة، باب مدمن الخمر، حديث
رقم [ 3375]: ج2 ص 1120، وفيه محمد بن سليمان بن الأصبهاني،
قواه ابن حبان ، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وباقي
رجال الإسناد ثقات، وأخرجه أحمد في المسند : ج1 ص 272، بلفظ (
لقي الله كعابد وثن).
([50]) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب الحراسة في الغزو في
سبيل الله، برقم [ 2886] و[2887]: ج6 ص 81 ، بفتح الباري.
([51]) سورة الكهف : 102.
([52]) سورة النساء : 172.
([53]) سورة الإسراء : 1.
([54]) سورة الكهف : 1.
([55]) قائله هو : إيليا أبو ماضي في قصيدته » طلاسم « ، وانظر
ديوانه ( الجداول: ص 106).
([56]) سورة تبارك: 22.
([57]) سورة الرعد : 27 - 28.
([58]) سورة الأنعام : 82 .
([59]) سنن ابن ماجة، كتاب التجارات، باب الاقتصاد في طلب
المعيشة، حديث رقم [ 2144]: ج2 ص 725. وفي إسناده ضعف بسبب
الوليد بن مسلم وابن جريج وهما مدلسلن وقد عنعناه، إلآ أن له
متابعَينِ في صحيح ابن حبان يقويانه.
([60]) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب بيان أن الآجال والأرزاق
وغيرها لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر، برقم [ 32، 33] :
ج16 ص 429 - 930.
([61]) ديوان الشافعي رحمه الله : ص 76.وهناك [ فلماذا أزور
زيداً وعمرا] فتصرفنا للمعنى.
([62]) سورة المنافقون: 11.
([63]) سورة يونس: 49.
([64]) سورة الجمعة: 8 .
([65]) سورة النساء: 78 .
([66]) سورة البقرة: 96.
([67]) الإيمان والحياة، د. يوسف القرضاوي: ص 133 - 134.