الصفحة الرئيسة

 

الإخـــلاص

معناه وحقيقته:

الإخلاص من الخلوص والخلاص، وهو الصفاء عما يشوب الشئ، فإذا صفا عما يشوبه وخلص عنه سمي خالصاً، ويسمى الفعل المصفى المخلص: إخلاصاً .

وفي هذا المعنى قوله تعالى { مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنَاً خَالِصَاً سَائِغَاً لِلشَّارِبِين}([1]).. صار اللبن خالصاً بخلوصه عما يشوبه من الدم والفرث، والخالص ما صفا عن جميع الآفات والشوائب.

وعلى هذا فالمراد الشرعي من الإخلاص هو: (( تجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب )). ([2])

وقيل في معناه الشرعي بأنه:

   ((  إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعات )). ([3])

والتعريف الأول أولى، لأن الإخلاص في حقيقته تجريـدٌ ، والتجريد يقتضي التنقية والتصفية ، والإخلاص يكون بتنقية الأعمال والطاعات والقربات وتصفيتها من الشوائب والآفات والمكدّرات.

والشوائب التي تعلق بالأعمال والقربات فتضر بالإخلاص وتفسده، أمورٌ، نجمعها في ثلاثة:

[1] أول الشوائب هو: الرياء:

فالرياء يفسد الإخلاص وينقضه، فإذا دخل عملاً من أعمال العبد مما أراد أن يتقرب به إلى الله تعالى أفسده وأبطله ، سواء كان رياء محضاً ـ وهو رياء المنافقين ـ أو كان رياء مشوباً بقصد التعبد والطاعة.. فلا يتحقق الإخلاص ولا يسلم إلا من ترْك الرياء والخلوص منه..

ولهذا قيل في الإخلاص: هو التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك. ([4]) ومن لم يتوق من ملاحظة الخلق لأعماله ، وانتبه لذلك وقع في الرياء، فانتفى به الإخلاص.

وقيل : الإخلاص : نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق. ([5]) .. قلت : ومن لاحظ رؤية الخلق راءَىَ .

فالرياء يناقض حقيقة الإخلاص ويفسده، ولذلك: كان الرياء هو حال المنافقين، إذ المنافق أعماله كلها لغير الله ، وقد قال تعالى عنهم { إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ، وَإِذَا قَامُواْ إِلَىَ الصَّلاةِ قَامُواْ كُسَالَىَ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قّلِيلاً } ([6]) فهم لا يقصدون وجه الله بقدر ما يقصدون مخادعته ـ تعالى الله عما يظنون علواً كبيراً ـ .

ولذلك نفى الله تعالى عن المرائين أصل الإيمان، ولا إخلاص إلا من إيمان، فقال تعالى في سورة النساء : { وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ، وَمَن يَّكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينَاً فَسَاءَ قَرِينَاً}..([7])

ولذلك قابل الله تعالى بين الإخلاص وبين الرياء يضرب مثل المرائي والمخلص ليُظهر الندية والتعاكس والتضاد بين الإخلاص والرياء ، فقال تعالى{ يَآأيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُواْ لا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَىَ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَ ابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدَاً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَئٍ مِمَا كَسَبُواْ، وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ. وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتَاً مَنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ، فِإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ، وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }. ([8])

ولهذا قال الحارث المحاسبي رحمه الله : »  الإخلاص هو: إخراج الخلق عن معاملة الرب. «   ([9]) ..

 ولا شك أن من أخرج حظ الخلق في معاملته لربه بالطاعات والقربات ؛ نقّاها من الرياء ، وخلَّصها منه، فتكون خالصة للرب جل وعلا.

وقال بعضهم: الإخلاص أن لا تطلب على عملك شاهداً غير الله ولا مجازياً سواه. ([10])وإلا فإن طلبت شاهداً غير الله فقد أشركت، وإن طلبته مع الله فقد راءيت، فكما لا تطلب مجازياً سواه، فلا تطلب شاهداً سواه.

وقيل الإخلاص : تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين. ([11]) ..

وتصفية الفعل تنقيته  وتخليصه من تعلق الفاعل بملاحظة المخلوقين، فيتوجه فعله إلى غير ما يجب أن يتوجه إليه، ويكون لملاحظة المخلوقين حظاً في الفعل وتأثيراً في الإجادة والتقصير.. ولا قطع لكل هذا إلا بالإخلاص ، فإذا أخلص العبد زال الرياء..

قال أبو سليمان الداراني: إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء.([12])

[2]  الشرك :

وثاني الشوائب التي يجب أن تنقى الأعمال وتصفى الطاعات منها، هو الشرك.. والشرك أعمّ من الرياء، فهو يشمل الرياء وغيره مما يقصد فيه مع الله شئ آخر لاعتقاد أو لطلب نفع لذات ..

وفي الحديث الصحيح الإلهي يقول الله تعالى : (( أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه )) ([13])

وفي حديث أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ص يقول: ( إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ليوم لا ريب فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمل عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك.) ([14])

وفي حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً أنه قال : ( تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله عز وجل يوم القيامة في صحف مختمة، فيقول الله: القوا هذا واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: يا رب! ما رأينا منه إلا خيراً، فيقول: إن عمله كان لغير وجهي، ولا أقبل اليوم إلا ما أريد به وجهي. ) ([15])

والشرك شركان: شرك في الاعتقاد، وشرك في الأعمال، والذي يناقض الإخلاص ويفسده ، هو شرك الأعمال، وهو: أن يقصد مع الله غيره في توجه الطاعة.. أما شرك الاعتقاد؛ فهو يضر بأصل الإيمان فيفسد على مدعي الإيمان إيمانه، فلا يقبل منه شئ، ولا يوصف أصلاً به، وإنما يصنّف في أهل الشرك ممن غضب الله عليهم وسخط..

ومن شرك الأعمال : ما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما ـ فيما أخرجه الحاكم ـ قال : قال رجل : يا رسول الله! إني أقف المواقف أبتغي وجه الله، وأحب أن يُرى موطني، فلم يردّ عليه رسول الله ص حتى نزلت([16]): { فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحَاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً } ([17]).. فسمّاه الله تعالى شركاً..

ومن هذا الشرك أيضاً: طلب الحمد والثناء :

قال الحواريون لعيسى بن مريم عليه السلام : ما الخالص من الأعمال؟ فقال: »الذي يعمل لله تعالى لا يحب أن يحمده عليه أحد. « ([18])

وجاء رجل إلى عبادة بن الصامتر فقال نبئني عما أسألك عنه: أرأيت رجلاً يصلي يبتغي وجه الله ويحب أن يُحمد، ويصوم يبتغي وجه الله ويحب أن يُحمد، ويتصدّق يبتغي وجه الله ويحب أن يُحمد، ويحج يبتغي وجه الله ويحب أن يُحمد، فقال عبادة: ليس له شئ، إن الله تعالى يقول : أنا خير شريك، فمن كان له معي شرك، فهو له كله، لا حاجة لي فيه. ([19])

طلب الحمد والثناء غير حصولهما بدون طلب:

فمن أدى العبادة على وجهها، لا يقصد بها إلا وجه الله تعالى، ولكن يأتيه الحمد من الناس، ويلقي الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك بفضل ورحمة واستبشر به لم يضره، بخلاف ما إذا ابتغى مع وجه الله أن يحمده الناس، وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر رقال: قيل لرسول الله ص: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟. قال: ( تلك عاجل بشرى المؤمن ) ([20])..

قال العلماء: معناه: هذه البشرى المعجلة له بالخير،وهي دليل على رضاء الله تعالى عنه، ومحبته له، فيحببه إلى الخلق، ثم يوضع له القبول في الأرض، هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم، وإلا فالتعرّض مذموم.([21])

وفي حديث أبي هريرة رقال: قال رجل: يا رسول الله! إني أعمل العمل، فيُطَّلع عليه، فيعجبني؟ قال: ( لك أجران: أجر السرّ وأجر العلانية.)([22])

قال الترمذي: »   وقد فسّر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إذا اطلع عليه فأعجبه، إنما معناه: أن يعجبه ثناء الناس عليه بالخير، لقول النبي ص: أنتم شهداء الله في الأرض، فيعجبه ثناء الناس عليه لهذا لما يرجو بثناء الناس عليه، فأما إذا أعجبه ليعلم الناس منه الخير ليكرّم على ذلك ويعظّم عليه؛ فهذا رياء .. وقال بعض أهل العلم: إذا اطلع عليه فأعجبه رجاء أن يُعمل بعمله فيكون له مثل أجورهم فهذا له مذهب أيضاً..  «اهـ([23]).

على كل: فهذا أمر مستثنىً لا يدلّ على أن من الرياء أو الشرك ما يصلح، وأن منهما مالا يضر بالإخلاص، بل إنهما من نواقض الإيمان وقواطعه..

ولهذا يجب السعي الجاد لتنقية الأعمال والطاعات جميعها من الرياء والشرك حتى يصبح المؤمن مخلصاً.

وفي وجوب السعي للمعافاة من الشرك والرياء طلباً للإخلاص، يقول الفضيل بن عياض رحمه الله:»   ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.. «   ([24])

 [3] حظوظ النفس العاجلة:

ومن الشوائب التي يجب تصفية الأعمال والقربات منها، حتى يتحقق الإخلاص: إدخال حظوظ النفس العاجلة مع قصد الطاعة ـ وهي أقل الشوائب وأخفها ـ ..

ولهذا قيل: الإخلاص: دوام المراقبة، ونسيان الحظوظ كلها. ([25])، لأنه لو فكّر في الحظوظ من وراء عمله وطاعته، خاصة العاجلة منها، لاشك أنه سيتوجه من قصده نصيب إلى إرادة تحصيل هذه الحظوظ، فيكون القصد قد شاب وتكدّر، فلا بد أن ينقّى ويصفّى القصد من هذه المرادات، حتى يتحقق الإخلاص.

وهذا الذي قاله سهل التستري ـ رحمه الله ـ لما سئل: أي شئ أشدّ على النفس؟ فقال: الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيب. ([26])

الحظوظ الآجلة لاتفسد الإخلاص:

وقد قيَّدنا حظوظ النفس بالعاجلة، لنُخرج عن مقصودنا الحظوظ الآجلة المطلوبة في الآخرة : من الجنة، والحور العين، والنعيم المقيم، وغيرها مما وعد به الله عباده المؤمنين.. فدخول هذه الحظوظ ـ أي الآجلة ـ لا تضرّ بالإخلاص بل تقويه، خلافاً لما قاله   [رويم] مما نقل عنه الغزالي ، قال: »الإخلاص في العمل هو أن لا يريد صاحبه عليه عوضاً في الدارين . «... وما قاله الغزالي نفسه شارحاً عبارة رويم:   وهذا إشارة إلى أن حظوظ النفس آفة آجلاً وعاجلاً، والعابد لأجل تنعم النفس بالشهوات في الجنة معلول ـ أي مريض ـ بل الحقيقة أن لا يراد بالعمل إلا وجه الله تعالى، وهو إشارة إلى إخلاص الصديقين، وهو الإخلاص المطلق.. «    اهـ.([27])

فهذا الكلام لا يقران عليه، لأن التعبد لأجل تنعّم النفس بالشهوات في الجنة مطلوب، والحظوظ الآجلة في الجنة مرغّب فيها في الشرع من وجوه:

أولاً: النصوص الكثيرة المبثوثة في القرآن الكريم مما تكاد تتجاوز الحصر لكثرتها، ومنها:

[1] قوله تعالى حاضّاً على الطاعة لابتغاء جناته: { وَسَارِعُواْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مِن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين } ([28])

[2] وقوله تعالى يدعو صراحة إلى الجنة مما يدلّ إرادة نعيمها { والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه } ([29])..

[3] وقوله تعالى يبشّر فيه المؤمنين وأهل الصلاح من عباده بالجنة ذاكراً من المرغبات ما تتطلع لها نفس المؤمن { وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار } ([30]) .. وفي آية أخرى يبشرهم هو بنفسه بالجنات ونعيمها المقيم، فيقول {  يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم } ([31])

[4] بل إنه سبحانه اشترى من المؤمنين كل أعمالهم بسلعة الجنة وأن يسعد فيها، كما قال تعالى { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}([32])..

فكيف ورب العزة يدعو إلى جنته ونعيمها، ويرغّب في حصولها ودخولها، ويبشّر بها من آمن وأصلح ؛ ونقول : ليس من الإخلاص الرغبة في طلب حظوظ النفس الآجلة ، والتعبّد لأجل تنعّم النّفس بالشّهوات في الجنّة، وأنّ مَنْ كان كذلك كان معلولاً سقيماً غير قويم؟؟..

ثانياً: أن الإنسان لا يتحرك إلا لحظ، سوى من كان لا يعقل، فلو طُلب منه أن يتجرد عن حظوظه بالكلية ، يقلّ إقدامه على السعي، ولذلك رغّبه الشرع في الحظوظ الآجلة، يقول له: إن أطعت الله فلك كذا وكذا من الخير والنعيم.. ولم يطلب منه إلا التخلّي عن الحظوظ العاجلة مما قد تضر به وبدينه ..

ثالثاً: أنه لا يمكن أن يبرأ من حظوظ النفس إلا الله تعالى، فالبراءة من الحظوظ صفة إلهية، ولذلك قضى أبوبكر الباقلاني ـ رحمه الله ـ بتكفير من يدّعي البراءة من الحظوظ،([33]) لأنه مدّعٍ صفة إلهية لنفسه.

فالمراد بالحظوظ المكدرة لصفو الإخلاص: حظوظ النفس العاجلة مما قد يضر بالعبد.

وقد ذكر العلماء طائفة من هذه الحظوظ المكدرة للإخلاص، منها مثلاً:

                   · أن يصوم لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب..

                   · أن يعتق عبداً ليتخلص من مؤونته وسوء خلقه..

                   · أن يحجّ ليصحّ مزاجه بحركة السفر، أو يتخلص من شر يعرض له في بلده، أو ليهرب عن عدو له في منزله، أو لأنه قد تبرم بأهله وولده، أو لأنه تبرم بشغل هو فيه فأراد أن يستريح منه أياماً ..

                   · أن يصلي بالليل وله غرض في دفع النعاس عن نفسه بصلاته ليراقب أهله ورحله مثلاً..

                   · أن يتعلم العلم ليسهل عليه طلب ما يكفيه من المال أو ليكون عزيزاً بين العشيرة..

                   · أن يكتب مصحفاً ليجوِّد بالمواظبة على الكتابة خطه..

                   · أن يصوم ليخفف عن نفسه التردد في طبخ الطعام ، أو ليوفر ماله وطعامه..

                   · أن يتصدق على السائل ليقطع إبرامه في السؤال عن نفسه..

                   · أن يعود مريضاً ليعاد إذا مرض..

                   · أن يشيّع جنازة ليشيّع جنائز أهله..

وغير ذلك من مراعاة الحظوظ العاجلة من العبادة والطاعة حتى يصير العمل أخف عليه بسبب هذه الأمور، فقد خرج عمله من حدّ الإخلاص، وخرج عن ان يكون خالصاً لوجه الله تعالى وتطرق إليه الشوائب التي تفسد الأعمال وتنقض الإخلاص.([34])

القصود الصالحة  لا تناقض الإخلاص:

وما سبق ليس على إطلاقه ، بل ربما يكون في مراد العبد الآخر مع الطاعة قصد صالح معتبر لا يضر بإخلاصه إذا اقترن بقصد التقرب، فيكون العمل صالحاً مجزياً ، ولا يفسد به الإخلاص..

والقصود الصالحة التي لا تخرج الأعمال عن حدّ الإخلاص أمور، نذكر منها:

[1] إيقاع العمل والعبادة امتثالاً لأمر الله تعالى أو نهيه، أي: لأن الله أمره بها أو نهاه عنها، لمجرد أمر الله ونهيه ..

[2] إيقاع العمل والطاعة لمجرد أن رسول الله ص أمر بها أو نهى عنها، لأن أمره ص ونهيه واجبا الطاعة، وقد قال تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ([35]) ..

[3] إيقاع العبادة أو الطاعة اقتداءً برسول الله ص ، والاقتداء به مشروع ، بل الأصل في أفعاله ص أن تكون للاقتداء، قال تعالى { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً } ([36])..

[4] إيقاع العبادة والطاعة رغبة فيما عند الله تعالى في الآخرة من العفو والرضوان، والجنة والنعيم والمساكن الطيبة وغيرها مما رغّب الله في تحصيلها بالعمل الصالح، كما قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن، ذلك الفوز العظيم. } ([37])..

[5] إيقاع العبادة والطاعة رهبة مما عند الله من العذاب والسخط، وقد قال تعالى لنبيه ص وهو يأمره بإخلاص العبادة له سبحانه { قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين. وأُمرت لأن أكون أول المسلمين. قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } ([38]) .. فكان من الإخلاص عبادة الله خوفاً من عذابه الشديد.

[6] إيقاع الفعل والطاعة إرضاءً للمؤمنين وإسخاطاً للكافرين والمنافقين ومن والاهم، فالله تعالى يجعل إغاظة الكافرين مقصداً تُبنَى عليه النيات، وتتوجه إليها الطاعات، وقد قال سبحانه { ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدوٍ نيلاً إلا كُتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين } ([39]) .. ومفهوم هذه الآية وما يقابلها أن يطأ المؤمن موطئاً يسرّ المؤمنين ويرضيهم، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وستردّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } ([40]).. وواضح أن المراد برؤية المؤمنين للعمل أنها في الدنيا، بدليل ما بعدها { وستردون إلى عالم الغيب والشهادة.. } أي قبل أن نردّ إلى عالم الغيب والشهادة، والردّ إليه في الآخرة..

[7] ومن القصود الصالحة التي لا تخرج العمل عن حدّ الإخلاص: إيقاعه رعاية لمصالح الأمة ، أو لمصالح الدعوة، كتأليف القلوب، وإبقاء الشمل ووحدة الصف، ولنفي أسباب الخلاف والافتراق، ونحو ذلك من المصالح العامة ، فإن كثيراً من الأعمال الواجبة والمستحبة تترك تأليفاً للقلوب، أو لإبقاء المهج ، وكثير من المنكرات يسكت عنها رعاية لمصالح الأمة ، فلا شك أن العمل إذا لم يكن من قصد إلا رعاية المصالح الكلية والعامة للأمة لصحّ..

ومن سنن النبوّة ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ أن هارون عليه السلام وهو يرى قومه يعبدون من دون الله عجلاً جسداً له خوار، فلما نهاهم كادوا أن يتفرقوا يمسك بعضهم برقاب بعض؛ تركهم وهم يعبدون العجل، جهاراً لا خفاءً، جماعةً لا أفراداً، وحين قدم موسى عليه السلام غضبان أسفاً من حال قومه وسكوت أخيه النبي ؛؛ فأخذ برأس أخيه يجره إليه ، ويقول له: {  بئسما خلفتموني من بعدي ، أعجلتم أمر ربكم؟ } فيقول له أخوه: { يا ابن أمّ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين} ([41]).. ويبرر سكوته يقول لموسى : { ياابن أمّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقُبْ قَوْلِي } ([42])..مما يدلّ على أنّ هارون ـ عليه السلام ـ لما نهاهم عن منكرهم الكبير الذي ارتكبوه في حق الله تعالى بعبادتهم العجل من دونه ؛ كادوا يقتتلون ويفترقون، بحيث أنه إذا استمر في نهيه لأدى ذلك إلى تشتتهم وتفرقهم ، بل وإلى التحارب والتقاتل بينهم مما قدكان يبيد الكثير ويفني الكثير، فسكت يؤجل أمرهم إلى حين رجوع موسى ـ عليه السلام ـ  وقد علّل تركه نهيَهُم بذلك ينصّ عليه يقول { ..إنِّي خشيتُ أنْ تقول فرَّقْتَ بين بني إسرائيل ولم ترقُبْ قَوْلِي }..

[8] ومن هذه القصود أيضاً: إيقاع العبادة والطاعة لتحصيل نفع عاجل دلّ الشرع على اعتباره، أو رغّب إليه.. ومن ذلك:

أ- كان النبي ص إذا أصابه كرب يدعو ربه ، ومن دعائه عند الكرب: ( لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم ) ([43])

ب ـ وكان النبي ص إذا حزبه أمر صلّى([44]).. وكان يقول لبلال ر: ( يا بلال! أقم الصلاة أرحنا بها )وفي رواية( قم يا بلال فأرحنا بالصلاة ) ([45])..

جـ ـ وكصلاة الاستسقاء، وصلاة الحاجة، وكالاستغفار لقضاء حاجة من الحاجات، وقد نبّه إلى ذلك رب العزة في الاستغفار حين قال { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً. يرسل السماء عليكم مدراراً. ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً } ([46])..

كل هذه وسائل شرعية معتبرة، لا تضر اقترانها بقصد التقرب إلى الله تعالى، ولا تكدّر صفو الإخلاص ولا تفسده أو تناقضه، بل توافقه وتعضده وتقويه..

وهذا ما فهمه العلماء حتى أُثر عن بعضهم انهم كانوا يلتجئون إلى الطاعة لإفراج كرب، أو فهم علم.. ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، وقد روي عنه أنه ذات مرة أعجزه فهم شئ من العلم وأشكلت عليه مسألة، فالتجأ إلى مسجد مهجور، ووضع جبهته على التراب يستغيث ربه ويردد : »   يا معلم إبراهيم فهمني..«   ([47])

 وكان رحمه الله تعالى يقول: »   إنه ليقف خاطري في المسألة أو الشئ أو الحالة التي تشكل عليّ، فأستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل، حتى ينشرح الصدر وينجلي إشكال ما أشكل. «   ([48])

فهذه كلها قصود معتبرة لا تناقض ولا تنافي الإخلاص، والله أعلم..

فضل الإخلاص ومقامه

إن مكان الإخلاص في الدين ومقامه  لا يدانيهما مكان ولا مقام بعد الإيمان والتوحيد، لأنه حقيقة التوحيد وروح الإيمان، ولذلك أطلق العلماء على شهادة التوحيد والإسلام [ لا إله إلا الله ] كلمة الإخلاص..

القرآن ومقام الإخلاص:

لأن الإخلاص هو رأس الإيمان والتوحيد، نجد القرآن يدعو إليه ويحضّ عليه، مبيناً مكانه ومقامه، وضرورته للمؤمن حتى يعبد الله خالصاً، فنجد أن الله سبحانه لم يجعل أنبياءه ورسله إلا مخلِصين، بل أخلصهم لنفسه ولدعوته، فكانوا مخلِصين مخلَصين، فقال تعالى { إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار } ([49]).

ولمقام الإخلاص ووجوب التحقق به أمر تعالى نبيه ص بتحققه يقول له { قل إني أُمرت أن أعبد الله مخلِصاً له الدين } ([50]) .. وقال له { قل الله أعبد مخلِصاً له ديني } ([51]) ..

وما كان إنزال القرآن على قلب النبي محمد ص إلا لتحقيق مقام الإخلاص في العبادة والدين، قال تعالى { إنا أنزلنا الكتاب بالحق، فاعبد الله مخلِصاً له الدين } ([52]).

وكان تعالى قد أمر أهل الكتاب وكل العباد بالإخلاص كما في قوله تعالى {وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلِصين له الدين حنفاء } ([53])

ولمقام الإخلاص ووجوب التحقق به يجعله الله كل التقوى، كما في قوله تعالى في قصة ابني آدم: { إنما يتقبل الله من المتقين } ([54]) أي المخلِصين.. وفي الحج والهدي يقول تعالى { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم}([55])..

والقرآن يثبت أن الإنسان إذا ما اضطر، وأصابه ما يكره، ووقع في كرب وضيق، يصبح مخلصاً، وإن كان غارقاً إلى أذنيه في الشرك والكفر والنفاق، كل هؤلاء عند اشتداد الكروب يخلصون لله ، والآيات كثيرة في ذلك:

فهذا موقف نقرأه في سورة يونس من قوله تعالى{ هو الذي يسيركم في البر والبحر، حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها ؛ جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أُحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. فلما نجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق } ([56])

وهذا موقف آخرنقرأه في سورة لقمان في قوله تعالى { وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور } ([57])..

وفي سورة الإسراء نقرأ هذا الموقف من قوله تعالى { وإذا مسكم الضرّ في البحر ضلّ من تدعون إلا إياه، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم، وكان الإنسان كفوراً} ([58])..

السنة ومقام الإخلاص :

والسنة تنبّه إلى مقام الإخلاص ومكانه، ويجعل الرسول ص فيها الإخلاص رأس الأمر كله، وسر العبادات، وأنه لولاه لما كان للطاعة أساس، وأن الناس بأجسامهم وأشكالهم وصورهم التي خلقها الله في أحسن تقويم، بدون الإخلاص، لا يغني عنهم شيئاً ، فيقول صفي الحديث الصحيح: ( إنّ الله لاينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم ) ([59]).. فكان نظر الرب تبارك وتعالى إلى القلب لأنه محل الإخلاص وموطنه.

وقلب المؤمن لا يستقيم على أمر الله، ولا يطمئن على حال دينه،إلا إذا وحّد قصده وتوجهه ومراده بعباداته وطاعاته، وهو إخلاص العمل ، فيكون كله لله، وهذا ما حث عليه نبينا ص في الحديث الصحيح فيقول: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن الدعوة تحيط من ورائهم ) . ([60])

ويخبر رسول الله ص أن الفلاح والنجاح في الإخلاص حين قال ص: ( قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان ) ([61])

ويربط النبي ص الأعمال بالإخلاص ، ويحصر المقبول منها فيمن أخلص فيها صاحبها لله فيقول ص : ( إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتُغيَ به وجهه ). ([62])

مقام الإخلاص فـي آثار السلف والعلماء :

لقد نبّه أهل العلم والصلاح من السلف ومن بعدهم على مقام الإخلاص ، وأنه أساس الأعمال، وصلاح القلوب ، وأن فيه نجاة العباد، وسعادتهم في الدنيا والآخرة ، وإليك بعضاً من أقوالهم وآثارهم في الحثّ على الإخلاص والدعوة إليه، والتنبيه على مقامه ومكانه .. 

كتب عمر بن الخطاب  إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما يقول له : (( من خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس في نفسه شانَه الله ، فإن الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصاً.. ))  ([63]).

وقال أيوب السختياني : (( تخليص النيات على العمال أشدّ عليهم من جميع الأعمال )).

وكان مطرِّف بن عبد الله الشِّخِّير رحمه الله تعالى يقول : (( من صفا صفا له ومن خلط خلط عليه )).. وأخرج عنه أحمد بن حنبل رحمه الله في كتاب الزهد أنه قال : (( صلاح قلب بصلاح عمل، وصلاح عمل بصلاح نية )). ([64])

وكان معروف الكرخي رحمه الله يضرب نفسه ويقول: (( يا نفس أخلصي تتخلصي  )).

وقال سليمان : (( طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا الله تعالى )).

وقال السوسي: (( مراد الله من عمل الخلائق الإخلاص فقط )).

وقال الجنيد: (( إن لله عباداً عقلوا، فلما عقلوا عملوا، فلما عملوا أخلصوا، فاستدعاهم الإخلاص إلى أبواب البر أجمع )).

وقال محمد بن سعيد المروزي : (( الأمر كله يرجع إلى أصلين : فعل منه بك، وفعل منك له، فترضى ما فعل ، وتخلص فيما تعمل، فإذاً أنت قد سعدت بهذين وفزت في الدارين )).

وقال يحيى بن معاذ : (( الإخلاص يميز العمل من العيوب كتمييز اللبن من الفرث والدم )).([65])

لزوم الإخــلاص في كل طاعة

المسلم يجب أن لا ينفك في حال من أحواله جميعاً عن الإخلاص لله عز وجل، ويجب أن يبادر قلبه إلى إصلاح النيّة وتوجيهها طاعة وبراً في كل ما يوقعه من عمل أو حدث .. وإن من السلف رضوان الله عليهم من كان يحتسب كل شئ لله ، حتى النومة والأكلة والجلسة والمشية، وإتيان أهله، وقد نبّه إلى ذلك رسول الله ص حين قال للصحابة رضي الله عنهم: (وفي بضع أحدكم صدقة ). فقالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجرٌ ؟ قال : ( أرأيت لو وضعها في حرام أكان له عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجراً ) ([66]).

قال النووي رحمه الله تعالى: »   وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات ، فالجماع يكون عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله تعالى به ، أو طلب ولد صالح ، أو إعفاف نفسه ،  أو إعفاف الزوجة ومنعها من النظر إلى حرام ، أو الفكر فيه ، أو الهمّ به ، أو غير ذلك من المقاصد الصالحة .. «    ([67]).

فيتّضح أن الإخلاص يتعلق به كل عمل وقول وحال، فمجالات الإخلاص إذاً : كل أعمال العبد وطاعاته ومراداته .. ولكنا سنقف قليلاً ـ بإذن الله تعالى ـ مع بعض الأمور والجوانب التي تحتاج إلى الإخلاص أكثر من غيرها، لا سيما ما وردت بها نصوص القرآن وأحاديث النبي ص:كالثلاثة الذين تسعّر بهم النار يوم القيامة، وغيره ..

أولاً: إخلاص العبادة والطاعة :

إذا كانت الأعمال من العادات التي لا تكون من العبادات قد ترتقي بسبب إخلاص صاحبها ، وصلاح نيته في توجيه هذه الأعمال والعاديات إلى ما ينفع الأمة ويرضي الرب تبارك وتعالى فتصبح عبادة في الأجر والمثوبة؛؛ فإن العبادات إذاً لا تصلح إلا بالنية.. ومعروف عند أهل العلم أن العبادات تفتقر إلى النية الصالحة دائماً، أي نية إيقاعها خالصة لله عز وجل.

»      وأساس القبول لأية عبادة: هو إخلاص القلوب لله تعالى. فإن حقيقة العبادة ليست شكلاً يتعلق بالمظهر، ولا رسماً يتصل بالجسد، ولكنها سرّ يتعلق بالقلب ، وإخلاص ينبع من الروح، فإذا لم يصدق قلب المسلم في عبادته، ولم يخلص لله في طاعته، وأداها رسوماً خالية من الروح، فهناك يردها الله عليه، كما يردّ الصيرفي النقّاد الدراهم الزائفة .. « ([68])

والقرآن الكريم بآياته حثّ على إخلاص العبادة وتجريد الطاعات من الشوائب التي تعلق بها، فقال تعالى آمراً نبيه ص في أكثر من موضع من سورة الزمر، أن يعبده جل وعلا بإخلاص { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين } .. وقال في الموضع الآخر { قل إني أُمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين } .. وقال له في الموضع الثالث { قل الله أعبد مخلصاً له ديني } ([69]).. ثمّ يخبر الله تعالى أن أمره الصادر لعباده هو:  أن يخلصوا في عبادتهم له ، فقال جل وعلا { وما أُمِروا إلا ليعبدوا الله مخلِصين له الدين حنفاء }([70]).

ويؤكد ضرورة الإخلاص في العبادات والطاعات ، بأن حضّ عليه في كل عبادة فريضة وشعيرة واجبة.

uu فالصلاة لابد لتصحيحها ورفعها من الإخلاص والتجريد عن كل شوائب الشرك والرياء ، وقد قال تعالى في التنبيه على إخلاص الصلاة لله {فويل للمصلين . الذين هم عن صلاتهم ساهون . الذين هم يراءُون ويمنعون الماعون } ([71]).

uu والزكاة التي تؤدَّى على غير إخلاص، والصدقة التي لم تكن تنقت من شوائب الرياء والمنّ ، ولم تتمحض لله وحده؛ لا يعتد بها ولا تكون عند الله مقبولة وقد قال تعالى عن هذا الصنف { قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يُتَقبّل منكم، إنكم كنتم قوماً فاسقين . وما منعهم أن تُقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يَأْتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون } ([72]).

ولذلك يحذّر رب العزة المؤمنين من الإنفاق على غير إخلاص تشوبه أمراض القلوب، وحظوظ النفوس، والمنّ والرياء فيقول لهم {يَآأيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُواْ لا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَىَ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدَاً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَئٍ مِمَا كَسَبُواْ، وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ. } ([73]).. كما أنه تعالى مدح من أراد وجهه بصدقته وزكاته، وأنه يسبل عليه بمرضاته ويعده بجناته وذلك في قوله سبحانه { الذي يؤتي ماله يتزكّىَ. وما لأحد عنده من نعمة تُجزىَ. إلا ابتغاء وجه ربه الأعلىَ. ولسوف يرضى }([74]).

uu وفي الحج ينبّه الله تعالى إلى أن مناسكة وشعائره لا بد أن تقام على الإخلاص، ولا بد أن تصحبها النية الصادقة الصالحة للعبادة حتى تكون مقبولة مجزية وقد نصّ تعالى على أن شعائر الحج والعمرة يجب أن تتوجه لله في ابتدائها وفي إتمامها فقال { وأتمّوا الحَجَّ والعُمْرةَ ِلله } ([75]).. وعن شعائره وهديه يبين تعالى أنه لا يقبل منها إلا ما كان لله فيقول { لَن يَّنَالَ اللهَ لُحُومُها ولا دِمَاؤها ولَكِن َّينَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُم } ([76])..

فالعبادات كلها يجب أن تتوجه بإخلاص وتجرد ..

ولكن بعض من تكدرت قلوبهم ، و اتسخت قصودهم بطلب الدون الدنئ ، اتخذوا العبادات والطاعات ، والتزموا الشعائر الظاهرة تسللاً إلى مواقع العاملين للدين، وتزلفاً إلى المناصب وطلباً لمرضات الحاكمين تجسساً على المسلمين، واستخبار حالهم لذوي السلطان من أهل البطش الكارهين قيام الدين وانتشار الدعوة ، يستأكلون بالعبادات .. وكأن رسول الله ص كان يعلم أنْ سيكون من أمته من يفعل هذه الفعلة الشنيعة الخسيسة، فأخبر ص بذلك في الحديث الذي أخرجه الطبراني ، يقول عليه الصلاة والسلام : ( إذا كان آخر الزمان ، صارت أمتي ثلاث فرق: فرقة يعبدون الله خالصاً، وفرقة يعبدون الله رياءً ، وفرقة يعبدون الله ليستأكلوا به الناس ، فإذا جمعهم الله يوم القيامة قال للذي يستأكل الناس : بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي ؟ فيقول : وعزتك وجلالك أستأكل بها الناس . قال : لم ينفعك ما جمعت ، انطلقوا به إلى النار، ثم يقول للذي كان يعبد رياءً: بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي؟ قال: بعزتك وجلالك رياء الناس. قال: لم يصعد إليّ منه شئ . انطلقوا به إلى النار . ثم يقول للذي كان يعبده خالصاً: بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي ؟ قال: بعزتك وجلالك أنت أعلم بذلك من أردت به، أردت به ذكرك ووجهك، قال: صدق عبدي، انطلقوا به إلى الجنة .) ([77]).

ثانياً: إخــلاص العلـــم :

والإخلاص العميق ألزم ما يكون لميادين العلم والتعلّم، فإن العلم أشرف من العبادة وأعلى منزلة منها (( وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ليلة البدر ، والعلماء ورثة الأنبياء )) كما أخبر بذلك الصادق المصدّق ص ([78]).. فمن الزراية الشنيعة به أن يُسخَّر للبشر، وأن تختلط به الأهواء والأغراض الفاسدة، و أن يُوجَّه إلى تحصيل رغائب النفس ومطالب الشهوة ..

فمن كان قصده من طلب العلم والتعلم إصابة الأغراض وإشباع الشهوات ، فمحرم عليه الجنة وريحها ومحروم من نعيمها ، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ص : ( من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله عز وجل ، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا ، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة . ) ([79]).

ومن كان قصده من طلب العلم والتعلم منافسة أهل العلم ، والتعالي على السفهاء ومماراتهم ، أو طلب الشرف والجاه في الناس ، فمصيره ـ والعياذ بالله ـ تبوّء مقاعد العذاب من النار ، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما : عن النبي ص قال: ( من تعلم علماً لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار ) ([80]).. وتفسِّر الأحاديث الأخرى إرادة غير الله بالعلم ، كما في حديث كعب بن مالك وحذيفة وأبي هريرة رضي الله عنهم، أن النبي ص قال: ( من طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار )([81])..

وكيف يرضى العالم أو المتعلم أن يوجه علمه وسعيه لاكتسابه إلى هذه الأغراض والغايات؟؟ .. وكيف يرضى لنفسه أن يصرفها عن مكان الرفعة التي يريدها الله لها بالإخلاص؛ ويحطها ويدنيها بهذه النيات الفاسدات؟؟.. عافانا الله من شر ذلك ورزقنا الإخلاص في العلم ..

قال أبو عبيدة ، معمر بن المثنى رحمه الله:»   من أراد أن يأكل الخبز بالعلم فلتبك عليه البواكي .. «   ([82])..

ويقول معمر بن راشد رحمه الله : »   إن الرجل يطلب العلم لغير الله فيأبى عليه العلم حتى يكون لله .. «.. قال الذهبي تعليقاً على كلامه: »قلت: نعم يطلبه أولاً والحامل له حبّ العلم ، وحب إزالة الجهل عنه، وحب الوظائف، ونحو ذلك، ولم يكن علم وجوب الإخلاص فيه، ولا صدق النية ، فإذا علم حاسب نفسه، وخاف من وبال قصده، فتجيئه النيّة الصالحة كلها أو بعضها، وقد يتوب من نيّته الفاسدة ويندم ، وعلامة ذلك: أنه يقصر من الدعاوى وحبّ المناظرة، ومن قصْدِ التكثّر بعلمه ، ويزري على نفسه، فإن تكثّر بعلمه أو قال: أنا أعلم من فلان فبُعداً له .. « ([83]).

وكان رحمه الله يقول ناصحاً أهل العلم : »  ينبغي للعالم أن يتكلم بنيةٍ وحسن قصدٍ ، فإنْ أعجبه كلامه فليصمت ، وإنْ أعجبه الصمت فلينطق ، ولا يفتر عن محاسبة نفسه ، فإنّها تحبّ الظهور والثناء .. «   ([84]).

ثالثاً: إخلاص الجهاد :

والجهاد في سبيل الله هو سنام الإسلام، وأداة السلام، ومركب الأمة إلى العزة والكرامة ، وناصبها على عروش الريادة والقيادة ، فلا ينبغي أن يكون المشارك فيه يبتغي به غير وجه الله ، ويريد به غير سبيل الله ، يطلب من ورائه الصيت والسمعة، أو التمكن في الأرض، لا للتمكينلدين الله، ولكن للجاه والسلطة والملك والعلو في الأرض ..

ولقد كان النبي ص حريصاً جداً على تخليص قلوب المجاهدين من هذه الأغراض الدنيئة، والنيات الفاسدة ، ينبّه الأمة إلى التصفّي والتنقّي منها، ويطلب منهم تصحيح النية وتوجيهها خالصة ليكون الجهاد في سبيل الله، والقتال لإعلاء كلمة الله وتمكين الدين في العالمين.

ففي الحديث المتفق عليه يربط ص بين الجهاد والنية يقول : ( لاهجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية ) ([85]).

وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه : جاء رجل إلى النبي ص فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله ؟ قال ص: ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) ([86]) .. وعند الترمذي عن أبي موسى : سئل رسول الله ص عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حميّة، ويقاتل رياء ، فأي ذلك في سبيل الله ؟ قال : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)([87])..

ولما سأله عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : يا رسول الله! أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: ( يا عبد الله بن عمرو! إن قاتلت صابراً محتسباً بعثك الله صابراً محتسباً، وإن قاتلت مرائياً مُكاثراً بعثك الله مرائياً مكاثراً ، يا عبد الله بن عمرو! على أيّ حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تيك الحال ) ([88])..

ولهذا قيّد ربّ العزة القتال بسبيل الله، حتى يكون جهاداً  يرضي الله ويُراد به وجهه ، ولا تكاد تجد في كتاب الله عز وجل قتال المجاهدين إلا مقيَّداً بسبيل الله، فيقول الله لهم { وقاتلوا في سبيل الله } ويقول لبيان الفرق بين من يقاتل لله ومن يقاتل للدنيا والشيطان والنفس أو الحزب  أومن أجل طواغيت الأرض { الذين ءآمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً } ([89]).

رابعاً : إخلاص الإنفاق :

والمال نعمة لمن عرف حق الله فيه ، وأداه بنفس راضية ، يريد به وجه الله الأعلى ، فعندئذ ينجو صاحبه من سخط الله في الآخرة، ويتمتع بماله في الدنيا، فيكسب الدارين، ويفوز بنعيمهما، وينال سعادتهما.. ولكن كثيراً من أصحاب المال لا يعرفون حق الله فيه، وإن عرفوا لا يؤدونه، وإن أدّوه راءوا فيه أو أبطلوه بالمن والأذى ..

ولهذا حذّر الله المؤمنين من ذلك في قوله تعالى {يَآأيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُواْ لا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَىَ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدَاً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَئٍ مِمَا كَسَبُواْ، وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ.}([90])..

أما المخلصون في صدقاتهم ونفقاتهم فمثلهم ما ذكره القرآن يقابل به مثل الذين أنفقوا رياءً فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شئ مما كسبوا، وصار عملهم هباءً منثوراً { وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتَاً مَنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ، فِإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ، وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }. ([91])

ويثني رب العزة جل وعلا على أهل البر والإحسان الذي ينفقون في سبيل الله ويطعمون المسكين والفقير والمحتاج، بلا منّ ولا أذى ولا رياء ولا طلب لحظ النفس ، ولا في شكر الناس وثنائهم، وإنما يبتغون بذلك وجه الله يبتغونه، ولا يطلبون إلا رضاه ، فسماهم الأبرار ، وأخبر عن جزائهم ، وسبب رضاه عنهم فقال { إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً. عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً. يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً. ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً. إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً }([92]).

وإذا كان القرآن يصور أهل الإخلاص في الإنفاق والصدقة ويقابل بينهم وبين أهل الرياء والعمل للنفس ، ويمدح أهل الإحسان والإطعام ابتغاء وجهه الكريم ، ويدخلهم في الأبرار؛ فإن السنة المطهرة ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ قد دعت إلى الإخلاص في الإنفاق ، تنبّه أهل الخير والإحسان على ضرورة استصحاب النية الصالحة والانتباه إلى تجديدها لئلا تشوبها شائبة الرياء وقصد حظ النفس ، فيقول النبي ص لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : ( إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ بها ، حتى ما تجعل في فِيّ امرأتك ) ([93]).

هذه الثلاثة: العلم، والجهاد، والإنفاق، هي التي يحاسب بها المرء أول ما يحاسب يوم القيامة، وقد أُدخل صاحب العلم المعلم والمجاهد المقاتل والمنفق ماله النار وكانوا أول مَنْ تسعّر بهم النار يوم القيامة، وذلك أنهم ما كانوا فيها مخلصين، وإنما تعلم صاحب العلم وعلّم ، وقاتل صاحب الجهاد وقُتل ، وأنفق صاحب المال ، رياء وسمعة ، فأُمر بهم فسحبوا على وجوههم إلى النار، فكان من الواجب التنبيه..

ففي الصحيح الذي أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله ص يقول : ( إن أوّل النّاس يقضى يوم القيامة عليه ، رجل استشهد ، فأتي به فعرّفه نعمه فعرَفّها ، فقال : فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت ، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جرئ ، فقد قيل ، ثم أُمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار .. ورجل تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن ، فأُتي به ، فعرّفه بنعمه فعرَفها ، قال: فما عملت فيها ؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن ، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم ، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل : ثم أُمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار .. ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله ، فأُتي به فعرّفه بنعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها ؟ قال: ما تركت من سبيلٍ تحب أن أنفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال : كذبت . ولكنك فعلت ليقال هو جوَاد، فقد قيل ، ثمّ أُمر به فسُحب على وجهه، ثمّ أُلقي في النار . ) ([94]).

آثـار الإخـلاص وثمــاره

الإخلاص لله تعالى إذا تمكّن في القلب، واستقر في النفس، لاشك أثمر طاعة خالصة نقية عن جميع الشوائب والآفات، صافية عما تكدّر العمل وتشوشه، وإلى جانب ذلك يترك آثاراً حميدة سعيدة تزيد من التبصّر لفضل الإخلاص وشرفه في دين الحق..

  llالإخلاص قوام الأمة:

لو أخلصت الأمة لربها، وأخلص أفرادها لخالقها، لبقيت على خيريتها ما دامت السموات والأرض، تقوم بأمر دينها كما يجب، وما كنا رأينا ما نرى اليوم من التشتت والتحزب والافتراق، ولا كنا مستضعفين متخطَفين تتكالب علينا الأعداء من كل حدب وصوب، نتباعد عن ديننا وأحكامنا نُهرَع إلى أحكام الجاهلية من وضع الكفار نحتكم بأمرهم ونهيهم، ونتخذهم شركاء يشرعون لنا من الأمر ما لم يأذن به الله..

وقد وعد الله تعالى الأمة أنها إذا أخلصت العبادة لله، ولم تشرك به شيئاً، بعد إيمانها وصلاحها؛ وعدهم عند ذاك بالاستخلاف في الأرض، والتمكين لهم ولدينهم ودعوتهم، وإزالة أسباب الخوف، وتوفير أسباب الأمن ، فقال { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدّلنهم من بعد خوفهم أمناً، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً }([95])

ومرّ عمر بن الخطاب بمعاذ بن جبل رضي الله عنهما، فقال له: ما قوام هذه الأمة؟. قال معاذ: ثلاث، وهن النجيات: الإخلاص، وهي الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها. والصلاة، وهي الملة. والطاعة، وهي العصمة. فقال عمر: صدقت.([96])

ll النجاة من المهالك في الدنيا:

وصاحب الإخلاص ينجيه الله بسبب إخلاصه من المهالك والمعاطب التي تتعرض له في الدنيا، حتى من كان مشركاً فأخلص لله ساعة الهلاك؛ ينجيه الله بإخلاصه العارض المنقطع، قال تعالى { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } ([97])

ll النجاة في الآخرة من النار:

ومن أخلص لله تعالى نطقاً وصدقاً، واستقر في قلبه الإخلاص لربه، نجّاه الله بذلك من سخطه وعذابه في الآخرة، وحرّم عليه النار، وفي حديث أحمد والدارقطني والطبراني مرفوعاً : ( من قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه حرّمه الله على النار ) ([98])

ll حصول المغفرة بالإخلاص:

كما أنه ينجي أصحابه من عذاب الله وسخطه، ويحرّم عليهم النار، فيسلمون منها بسبب إخلاصهم قول لا إله إلا الله ؛؛ فإنه ينجيهم أيضاً من مغبة الذنب، فيُغفر لصاحبه ما اقترف من سيئة وذنب بسبب إخلاصه قول لا إله إلا الله ، ففي سنن أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل ص الطالب البينة، فلم تكن له بينة، فاستحلف المطلوب فحلف بالله الذي لا إله إلا هو، فقال رسول الله ص : ( بلى قد فعلْتَ، ولكن قد غفر لك بإخلاص قول لا إله إلا الله. ) ([99])..

ll  حصول النصر به للأمة :

وبفضل أهل الإخلاص يصيب الله الأمة بالنصر، خاصة بفضل إخلاص ضعفاء الأمة، ودعوتهم وصلاتهم ، وقد أخبر بذلك النبي الكريم ص فقال: ( إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم)([100]).. 

ll جلاء الفتن عن المخلصين :

ولقد أخبر النبي ص  أن الإخلاص يوقف ضرر الفتنة إن وقعت، ويجليها عن أصحابه فلا يفتنون ، كما في حديث ثوبان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ص يقول : ( طوبى للمخلِصين ، أولئك مصابيح الهدى، تنجلي عنهم كل فتنة صماء ) ([101]).

ll نيل الرضا منه تعالى:

ولقد وعد الله تعالى أبا بكر الصديق رضي الله عنه بالرضوان والرضا عنه، وأن يجنّبه النار والعذاب يوم القيامة ، لما أعتق أبو بكر أوائل المسلمين من العبيد والإماء والمستضعفين في مكة، لا طلباً لوجاهة، ولا إرضاءً لفئة، ولكن نصرة للدين وأهله، فأنزل الله فيه آيات بينات تعده بالرضا والرضوان فيقول تعالى { وسيجنّبها الأتقى. الذي يؤتي ماله يتزكّى. وما لأحد عنده من نعمة تُجزى. إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى. ولسوف يرضى } ([102])

وسبب نزول هذه الآيات أن المشركين عذبوا بلالاً، وبلال يقول: أحدٌ أحد، فمر به النبي ص فقال: ( أحدٌ ـ يعني الله تعالى ـ ينجيك) ثم قال لأبي بكر: ( يا أبا بكر إن بلالاً يعذب في الله ) فعرف أبوبكر الذي يريد رسول الله ص ، فانصرف إلى منزله فأخذ رطلاً من ذهب، ومضى به إلى أمية ابن خلف، فقال له: أتبيعني بلالاً؟ قال: نعم، فاشتراه فأعتقه،                 فقال المشركون: ما أعتقه أبوبكر إلا ليد كانت لبلال عنده، فنزلت { وما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تُجزى. إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى. ولسوف يرضَى} ([103])..

طرق اكتساب الإخلاص والمحافظة عليه

إن كان هذا هو مقام الإخلاص ومكانه، وطالما كان حصوله وبلوغه واجباً لا يسع مؤمناً التساهل فيه، فننبه إلى بعض الطرائق والأمور والأسباب والوسائل التي توصل إلى اكتساب الإخلاص والاتصاف به والتحقق بمقامه.. ومن ذلك:

[1] إخفاء الأعمال والطاعات:

لاشك أن من يُخفي طاعاته وعباداته غالباً؛ يخرج منها حظ الرياء، وبذلك ينقي طاعاته من أن تتوجه إلى غير الله، وينفي عن قلبه تشتت القصود وتوزعها بين الله وغيره، فيحمي طاعاته وعباداته من الشوائب والآفات والمكدّرات لتكون خالصة لله رب العالمين..

ولذلك قال يعقوب المكفوف:»   المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته«  ([104])

وقال بعضهم: »   الإخلاص ما استتر عن الخلائق، وصفا عن العلائق([105])

والرسول ص يحثّ على إخفاء الأعمال والطاعات حتى عن بعض الأعضاء من نفس المؤمن، كما في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله، ومنهم: ( ورجل تصدّق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) ([106])..

وفي مسند أحمد بإسناد حسن ([107])من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً : ( إن الملائكة قالت: يا رب! هل من خلقك شئ أشد من الجبال؟ قال نعم الحديد. قالت: فهل أشدّ من الحديد؟ قال نعم النار. قالت: فهل أشدّ من النار؟ قال نعم الماء. قالت: فهل أشدّ من الماء؟ قال نعم الريح. قالت: فهل أشدّ من الريح؟ قال نعم ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها عن شماله ) ([108])

[2] المداومة على الأعمال والمحافظة عليها:

وهذا بلا شك يوصل إلى الإخلاص، لأن المداومة على الشئ والاستمرار فيه دليل على الصدق، وشاهد على الالتزام والاستقامة، وبرهان الإيمان والإخلاص..

وفي حديث الترمذي وغيره يقول النبي ص : ( إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ) ([109])..

فعُمّار المساجد مشهود لهم بالإيمان، بالحديث والقرآن، وقد قال تعالى مصداق هذا الحديث { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفرأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون. إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله } ([110]).. فنفى عن المشركين أن يكونوا من عمار المساجد ـ والشرك ضد الإخلاص ـ وفي المقابل شهد لعمار المساجد بالإيمان { إلا من آمن بالله واليوم الآخر}.. والطاعة بقوله { وأقام الصلاة وآتى الزكاة } .. والإخلاص بقوله { ولم يخش إلا الله } مما يدلّ على أن المحافظة على الطاعة والمداومة عليها من الطرق الموصلة للإخلاص.

[3] الخلــــوة بالله :

ولاشك أنه داعٍ قوي من دواعي الإخلاص ، ووسيلة راشدة لاكتسابه، إذ لا يراه أحد إلا الله، ولا يكون معه إلا ربه ، فيلجأ إليه، ويستغيث به، ويناجيه، ويتلو كتابه، ويتقلَّب في الطاعات منفرداً مع الله تعالى يصلي ويركع ويسجد باكياً متذللاً مبدياً الفقر والعوز والحاجة لعنايته ورعايته ولطفه وتوفيقه.. عندئذ يغربِّل من على قلبه كل شائبة عالقة بإخلاص التوجه والطاعة، ولعل هذا من أسرار استحباب قيام الليل وصلاته، فهو أشدّ وطئاً وهو أقوم قيلاً .. وكان سري السقطي رحمه الله تعالى يقول: »   لأن تصلي ركعتين في خلوة تخلصهما ؛ خيرٌ لك من أن تكتب سبعين حديثاً أو سبعمائة بعلوّ. «   ([111])..

ولعل هذا هو سرّ ابتداء النبي ص تعبده وتحنثه لله تعالى وقد حُبّب إليه الخلاء، حتى يمكّن قلبه من التوجه الصحيح، وتوحيد الرب جل وعلا في القصد والإرادة، وحتى يتمكن الإخلاص منه ، ولا يجوز أن يكون النبي المرسل غير مخلصٍ يشرك بالله في قصده، أو يرائي بدعوته وطاعته ، لذلك كان أول أمره هو ذاك: ففي الصحيحين وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت : أول ما بُدئ به رسول الله ص من الوحي: الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثمّ حُبِّب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثمّ يرجع إلى خديجة ـ رضي الله عنها ـ فيتزود لمثلها ، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ... ) ([112]).

قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى : »   حببت العزلة إليه ص لأن معها فراغ القلب ، وهي معينة على التفكر، وبها ينقطع عن مألوفات البشر ويتخشع قلبه ، والله أعلم .. «   ([113]).

[4] تقديم ما لله على ما لغيره:

وهذا سبيل قويم يوصل العبد إلى الصلاح والإخلاص والتوحيد، فيقدم ما لله على ما لنفسه، ويسعى لإرضاء الله ولو على حساب نفسه ولو أدى إلى إنزال المكاره عليه، وهذا بالطبع لا يفعله إلا من تحقق بالإخلاص..

ولقد كان يوسف الصديق عليه السلام إمام المخلصين في هذا الباب، لما راودته امرأت العزيز، استعصم، ولما هُدِّد بالسجن، استحب السجن على الفاحشة، مقدماً رضاء الله على إرضاء نفسه والاستجابة لشهوته، مع أنه أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فامتنع واستعصم بالله يقول: { رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه، وإلا تصرف عني كيدهن أصْبُ إليهن وأكن من الجاهلين }([114]).. فصرف عنه السوء، ويقول تعالى في تعليل ذلك: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء، إنه من عبادنا المخلَصين }([115])..

[5] تجديد النية:

وتجديد النية من الوسائل النافعة في المحافظة على الإخلاص، وإخراج حظ الشيطان وتيئيسه، حتى لا يطمع كثيراً في صرف وجهته عن الله تعالى، فكلما وجد نفسه قد أصابه شئ من الرياء، أو أنه يسعى بطاعته في غير ما يجب، أو شك من نفسه وإخلاصه: جدّد نيته، وهكذا يقطع عن الشيطان الوساوس، وينقي عبادته من شوائب الإخلاص.

 [6] الدعـــــاء:

والدعاء من الأسباب التي تجلب للمرء المطلوب النافع، لا سيما من أمور الطاعة، أما الإخلاص فطريق الدعاء إليه مهم جداً، وقد كان رسول الله ص يدعو ربه أن يرزقه الإخلاص، كما في سنن أبي داود والنسائي وغيرهما..

ففي سنن النسائي أن عمار بن ياسر رضي الله عنه صلى بالقوم صلاة أخفَّها ، فكأنهم أنكروها فقال: ألم أتمّ الركوع والسجود ؟ قالوا : بلى . قال: أما إني دعوت فيها بدعاءٍ كان النبي ص يدعو به : ( اللهم! بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي ، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الإخلاص في الرضا والغضب ، وأسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع ، وأسألك الرضا بالقضاء وبرد العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك ، وأعوذ بك من ضراء مضرة، وفتنة مضلّة ، اللهم! زيِّنَّا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهديين ) ([116]).

وفي سنن أبي داود أنه ص كان يقول في دبر صلاته: ( اللهم ربنا ورب كل شئ، أنا شهيد أنك الرب وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شئ، أنا شهيد أن محمداً عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شئ، أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل شئ، اجعلني مخلصاً لك وأهلي في كل ساعة في الدنيا والآخرة، يا ذا الجلال والإكرام، اسمع واستجب، الله أكبر الأكبر، الله نور السموات والأرض.)([117])

وهكذا كان النبي ص يلحّ ويلحّ في الدعاء طلباً لأن يرزقه الله الإخلاص في كل ساعة وكل طاعة..

وكان أبوبكر الصديق رضي الله تعالى عنه يدعو ربه بالإخلاص والنية، ويقول:» اللهم! هب لي إيماناً ويقيناً ومعافاة ونية.. «   ([118])

وكان من دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه المحفوظ: »   اللهم اجعل عملي صالحاً، واجعله لك خالصاً، ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئاً. « ([119])


 

 ([1]) سورة النحل: 66.

([2]) إحياء علوم الدين ، للإمام الغزالي : ج4 ص 471، وانظر : المستخلص : ص 266، وتزكية النفوس وتربيتها: ص 13.

([3]) مدارج السالكين، لابن القيم: ج2 ص 91، وتهذيب المدارج: ج1 ص 515.

([4]) المدارج نفسه : ج2 ص 91.

([5]) المرجع نفسه.

([6]) سورة النساء : 142.

([7]) سورة النساء : 38.

([8]) سورة البقرة : 264 - 265.

([9]) إحياء علوم الدين : ج4ص 475.

([10]) مدارج السالكين : ج2 ص 92.

([11]) المرجع السابق : ص 91.

([12]) المرجع نفسه.

([13]) أخرجه مسلم ، كتاب الزهد، باب من أشرك في عمله غير الله، حديث رقم[ 46]: ج18 ص 316بشرح النووي، وابن ماجة، كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة، حديث رقم[4202]: ج2 ص 1406. واللفظ لمسلم.

([14]) أخرجه الترمذي، كتاب التفسير ، تفسير سورة الكهف، حديث رقم[ 3165]: ج5 ص 105، وابن ماجة، كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة، حديث رقم[ 4203] : ج2 ص 1406، وأحمد في المسند: ج2 ص 466، وابن حبان في صحيحه[ 404] والطبراني في الكبير: ج22 ص 778.

([15]) أخرجه أبوبكر البزار، وفيه الحارث بن غسان، قال البزار: روى عنه جماعة وهو ثقة بصري ليس به بأس .اهـ، انظر: تفسير ابن كثير: ج3 ص 107 آخر تفسير سورة الكهف.

([16]) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الرقاق: ج4 ص 329-330، عن طاووس مرسلاً، وكذلك ابن أبي حاتم، انظر: تفسير ابن كثير: ج3 ص 106، وفي جامع العلوم والحكم، أسنده ابن رجب إلى ابن عباس، راجعه : ص 15، ط. 1400 ـ 1980م، مصطفى البابي الحلبي بمصر.

([17]) سورة الكهف، الآية الأخيرة.

([18]) إحياء علوم الدين: ج4 ص 475.

([19]) تفسير ابن كثير: ج3 ص 106.

([20]) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، باب إذا أثنى على الصالح فهي بشرى ولا تضره، حديث رقم [ 166] : ج16 ص 404- 405، وابن ماجة، كتاب الزهد، باب الثناء الحسن، برقم[ 4225]: ج2 ص 1412، ولفظه: الرجل يعمل العمل لله، فيحبه الناس عليه.

([21]) شرح النووي لصحيح مسلم: ج16 ص 405.وانظر: جامع العلوم والحكم: ص 16.

([22]) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب عمل السرّ، حديث رقم[ 2391]: ج4 ص 171، وابن ماجة، كتاب الزهد، باب الثناء الحسن، حديث رقم[ 4226]: ج2 ص 1412، واللفظ له، ولفظ الترمذي بخطاب الغيبة [قال رجل: يا رسول الله! الرجل يعمل العمل فيسره، فإذا اطلع عليه أعجبه ذلك، قال: قال رسول الله ص :[له أجران: أجر السرّ وأجر العلانية. ] .وقال: هذا حديث حسن غريب.اهـ .وفي إسنادهما: حبيب ابن أبي ثابت، وهو مدلس وقد عنعن ولم يصرح بالتحديث، كما أن فيه أباسنان الشيباني مختلف فيه، ووثقه أبوداود وأبو حاتم وغيرهما، وانظر: التهذيب:ج4 ص 40-41.

([23]) سنن الترمذي ، كتاب الزهد، باب عمل السرّ: ج4 ص 171-172.

([24]) مدارج السالكين: ج2 ص 91، وإحياء علوم الدين: ج4 ص 475.

([25]) إحياء علوم الدين : ج4 ص 475.

([26]) مدارج السالكين: ج2 ص 92، وإحياء علوم الدين: ج4 ص 474.

([27]) إحياء علوم الدين : ج4 ص 474 .

([28]) سورة آل عمران: 133.

([29]) سورة البقرة: 221.

([30]) سورة البقرة: 25.

([31]) سورة التوبة: 21.

([32]) سورة التوبة: 111.

([33]) نقله الغزالي عنه في الإحياء : ج4 ص 474، وهذا يجعلنا نشك في كون الغزالي يؤيد رويم فيما ذهب إليه.

([34]) انظر: المستخلص : ص 266-267، ومختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة المقدسي: ص 349.

([35]) سورة الحشر: 7.

([36]) سورة الأحزاب: 21.

([37]) سورة الصف: 10-11.

([38]) سورة الزمر: 11-13.

([39]) سورة التوبة: 120.

([40]) سورة التوبة: 105.

([41]) سورة الأعراف: 150.

([42]) سورة طه: 94.

([43]) متفق عليه، البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الكرب، برقم[6346]: ج11 ص 145 بفتح الباري. ومسلم، كتاب الذكر، باب دعاء الكرب، برقم[ 83]: ج17 ص 49 بشرح النووي. 

([44]) أحمد في المسند: ج1 ص 206 ، وج5 ص 386، دار صادر، وبرقم[ 23291]: ج5 ص 482،ط. المكتب الإسلامي.

([45]) أخرجه أبوداود، كتاب الأدب، باب في صلاة العتمة، برقم[ 4985-4986]: ج4 ص 296-297. 

([46]) سورة نوح:12.

([47]) انظر كتاب: الحافظ ابن تيمية ، لأبي الحسن الندوي : ص 131، نقلاً عن : العقود الدرية: ص 6.

([48]) المرجع السابق: ص 132، نقلاً عن الكواكب الدرية: ص 145.

([49]) سورة ص: 46.

([50]) سورة الزمر: 11.

([51]) سورة الزمر: 14.

([52]) سورة الزمر: 2.

([53]) سورة البينة: 5.

([54]) سورة المائدة: 27.

([55]) سورة الحج: 37.

([56]) سورة يونس: 22-23.

([57]) سورة لقمان: 32.

([58]) سورة الإسراء: 67.

([59]) أخرجه مسلم، كتاب البر، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره، برقم[33-34]: ج16 ص 337، بشرح النووي، وابن ماجة، كتاب الزهد، باب القناعة، برقم[4143]: ج2 ص 1388، وأحمد : ج2 ص 285، 539.

([60]) أخرجه الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، برقم[ 2667]: ج4 ص 299، وابن ماجة، في المقدمة، باب من بلغ علماً، برقم[ 230]: ج1 ص 84،والدارمي، في المقدمة، باب الاقتداء بالعلماء، برقم[ 231،232،233،234] : ج1 ص 79-81، وأحمد: ج3 ص 225.

([61]) أخرجه أحمد في المسند: ج5 ص 147.

([62]) أخرجه النسائي، كتاب الجهاد، باب من غزا يلتمس الأجر والذكر:ج6 ص 25، وأحمد: ج4 ص 126.

([63]) انظر : اعلام الموقعين عن رب العالمين ، لابن القيم الجوزية : ج1 ص 86 .

([64]) كتاب الزهد ، لأحمد بن حنبل : ص 238 .

([65]) انظر كل النقول في : إحياء علوم الدين : ج4 ص 470-471 ،  والأذكار للنووي : ص 6 ـ 7 .

([66]) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، برقم [52] : ج7 ص 92-93 ، بشرح النووي ، وأحمد في السند : ج5 ص 167-168.

([67]) شرح النووي لصحيح مسلم : ج7 ص 93 .

([68]) العبادة في الإسلام ، د. يوسف القرضاوي : ص 157 ، بتصرف يسير .

([69]) سورة الزمر : 2 ، 11 ، 14 .

([70]) سورة البينة : 5 .

([71]) سورة الماعون : 4-7 .

([72]) سورة التوبة : 53-54 .

([73]) سورة البقرة : 264 .

([74]) سورة الليل : 18-21 .

([75]) سورة البقرة : 196 .

([76]) سورة الحج : 37 .

([77]) أخرجه الطبراني عن أنس، كتاب البعث، باب فيما يقبل من العمل، برقم[4791،4944]:ج8 ص 104،192 من مجمع البحرين في زوائد المعجمين، للهيثمي ، وقال فيه:وفيه عبيد بن اسحق العطار ورضيه أبوحاتم الرازي ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله ثقات، وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي : ج10 ص 350- 351 .

([78]) من حديث أخرجه الترمذي وأبو داود ، الترمذي ، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، برقم [ 2691 ] : ج4 ص 312 . وأبو داود، كتاب العلم ، باب الحث على طلب العلم ، برقم [ 3641] : ج3 ص 317 ، وابن ماجة في المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم ، برقم [ 223 ] : ج1 ص 81

([79]) أخرجه أبوداود، كتاب العلم ، باب في طلب العلم لغير الله تعالى ، برقم [ 3664 ] : ج3 ص 323 . والعرف هو : الريح والطيب، ومنه قوله تعالى { ويدخلهم الجنة عرَّفها لهم } [محمد: 6].

([80]) أخرجه الترمذي ، كتاب العلم، باب ما جاء في من طلب بعلمه الدنيا، برقم [ 2664 ] : ج4 ص 298 .وابن ماجة ، في المقدمة ، باب من تعلم العلم لغير الله تعالى ، برقم [ 258 ] : ج1 ص 95 .وقال الترمذي : هذا حديث حسنٌ غريب .

([81]) الترمذي ، كتاب العلم، باب ما جاء في من يطلب بعلمه الدنيا، برقم [ 2663 ] : ج4 ص 297 ، عن كعبٍ ، وابن ماجة، في المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به ، برقم [ 259 ] : ج1 ص 96 ، عن حذيفة، ولفظه( لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء أو لتماروا به السفهاء ، أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم ، فمن فعل ذلك، فهو في النار ) . وعن أبي هريرة بنفس لفظ الترمذي . وضعفه في الزوائد، وسكت عنه المنذري في الترغيب(1/116-117)، وأخرجه الطبراني بإسنادين ضعيفين في الأوسط والكبير كما في مجمع الزوائد ( 1/ 864-865)، ولعله يتقوى بتعدد طرقه وكثرة رواته ، وإنما أتينا به شاهداً ومفسراً ،والله أعلم..   

([82]) انظر: التعالم وأثره على الفكر والكتاب ، لبكر بن عبد الله أبو زيد : ص 74 .

([83]) انظر: سير أعلام النبلاء ، للذهبي : ج7 ص 17 ، وانظر: التعالم نفسه : ص 75 .

([84]) السير نفسه : ج4 ص 494 .

([85]) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد والسير ، برقم [ 2783 ] : ج6 ص 3 ، بفتح الباري ، ومسلم، كتاب الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير وييان معنى لا هجرة بعد الفتح ، برقم [ 85 ] : ج31 ص 11 بشرح النووي .

([86]) البخاري، كتاب الجهاد، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، برقم [ 2810 ] : ج6 ص 27-28 بفتح الباري .

([87]) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا ، برقم [ 1652 ] : ج3 ص 243 . وقال: هذا حديث حسن صحيح . ومثلهما عند أبي داود، كتاب الجهاد، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، برقم [ 2517 ] : ج3 ص 14 .

([88]) أخرجه أبو داود ، كتاب الجهاد، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، برقم [2519] : ج3 ص 14-15 .

([89]) سورة النساء : 76 .

([90]) سورة البقرة : 264 .

([91]) سورة البقرة :  265 .

([92]) سورة الإنسان : 5-9 .

([93]) متفق عليه ، البخاري، كتاب الجنائز، باب رثاء النبي ص سعد بن خولة ، برقم[ 1295 ] : ج3 ص 164 بفتح الباري ، ومسلم، كتاب الوصية ، باب الوصية بالثلث، برقم [ 5 ] : ج11 ص 79-80 بشرح النووي .

([94]) مسلم، كتاب الجهاد ، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار ، برقم [ 152 ] : ج13 ص 52-53 بشرح النووي ، والترمذي ، كتاب الزهد، باب ما جاء في الرياء والسمعة ، برقم [ 2389 ] : ج4 ص 169-170 .

([95]) سورة النور: 55.

([96]) كنز العمال: ج8 ص 226، وحياة الصحابة: ج3 ص 580.

([97]) سورة العنكبوت: 65.

([98]) صححه ابن تيمية في مكارم الأخلاق: ص 31.

([99]) سنن أبي داود، كتاب الأيمان، باب فيمن يحلف كاذباً متعمداً، برقم[ 3275]: ج3 ص 228.ومسند أحمد: ج1 ص 288.

([100]) أخرجه النسائي، كتاب الجهاد، باب الاستنصار بالضعيف : ج6 ص 45 ، ونحوه في البخاري وسنن أبي داود، ففي البخاري بلفظ ( هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم ) وعند أبي داود بلفظ ( أبغوني في الضعفاء، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ) وحسّن النووي إسناد أبي داود،  في رياض الصالحين ص : 92 برقم [ 271-272 .

([101]) أخرجه البيهقي وسكت عنه المنذري في الترغيب والترهيب ( ج1 ص 54 ) .

([102]) سورة الليل: 17-21.

([103]) انظر: تفسير القرطبي[ الجامع لأحكام القرآن] : م10 ج20 ص 79-80 .

([104]) إحياء علوم الدين: ج4 ص 470.

([105]) المرجع السابق: ج4 ص 474.

([106]) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، برقم[ 660]: ج2 ص 143بفتح الباري.

([107]) حسّن إسناده الحافظ في الفتح: ج2 ص 147.

([108]) أحمد في المسند: ج3 ص 124، وانظر:فتح الباري : ج2 ص 147.

([109]) الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، برقم[ 2626] : ج4 ص 280، وابن ماجة، كتاب المساجد والجماعات، باب لزوم المساجد وانتظار الصلاة، برقم[802]: ج1 ص 263، والدارمي، كتاب الصلاة، باب المحافظة على الصلوات، برقم[ 1203] : ج1 ص 295، وأحمد : ج3 ص 68، 76، وابن خزيمة في صحيحه[ 1502]، وابن حبان في صحيحه: 5،1721، والحاكم في المستدرك، كتاب التفسير، باب تفسير سورة التوبة... وفي روايته دراج أبو السمح عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، قال أبوداود: أحاديثه مستقيمة، إلا ما كان عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، وباقي رجاله ثقات.اهـ ..

        قلت: ومعناه صحيح لموافقته القرآن في قوله تعالى { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله  واليوم الآخر} وإن شُكّ في سنده، وقد استشهد به شيخ الإسلام ابن تيمية في مكارم الأخلاق : (ص 28)يجزم بأنه من قوله ص. والعلة ليست قوية في الضعف إذ روايات أبي السمح كلها مستقيمة سوى روايته عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، يعني مشكوك في هذا الطريق فقط لاغير، وشاهد القرآن أقوى ودلالته أظهر وأجلى، فصح المعنى، والله أعلم.

([110]) سورة التوبة: 17-18.

([111]) إحياء علوم الدين : ج4 ص 471 .

([112]) البخاري ، كتاب بدء الوحي، حديث رقم [ 3 ] : ج1 ص 23 بفتح الباري ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ص ، حديث رقم [ 252 ] : ج2 ص 374-397 بشرح النووي .

([113]) شرح النووي لصحيح مسلم : ج2 ص 374 .

([114]) سورة يوسف: 33.

([115]) سورة يوسف: 24.

([116]) سنن النسائي، كتاب السهو ، باب الدعاء بعد الذكر : ج3 ص 55 . 

([117]) أخرجه أبو داود، كتاب الوتر، باب ما يقول الرجل إذا أسلم، حديث رقم[ 1508]: ج2 ص 83.

([118]) انظر: كنز العمال: ج1 ص 303، وحياة الصحابة: ج3 ص 321.

([119]) أخرجه احمد في الزهد: ص 118، وانظر: كنز العمال: ج1 ص 303، وحياة الصحابة: ج3 ص 322.

 

.
 
  آخر الفتاوى

  حكم الصيام في السبت

حكم معاملة السمسرة

  حكم الصيام في السبت

حكم معاملة السمسرة

  حكم الصيام في السبت

حكم معاملة السمسرة

  حكم الصيام في السبت

حكم معاملة السمسرة

  آخر الدروس

  شرح الأربعين النووية

فقه بر الوالدين

  شرح الأربعين النووية

فقه بر الوالدين

  شرح الأربعين النووية

فقه بر الوالدين

  شرح الأربعين النووية

فقه بر الوالدين

  آخر الخطب

  ظلم فرعون

بركة الرزق

  ظلم فرعون

بركة الرزق

  قضايا للنقاش

  اكتساب العلم

بركة الرزق

  تربية الأبناء

بركة الرزق

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الترجمة الشخصية

مقالات وبحوث

كتب ومؤلفات

قضايا معاصرة

فتاوى وسؤالات

محاضرات وخطب

قضايا العلوم

ركن الأدب

قضايا المرأة

أرسل واتصل

 

 

 

.

الحقوق محفوظة لموقع الدكتور عبد الله الزبير 1428 هـ