القائمة الرئيسية
الصفحة الرئيسية
الترجمة الشخصية
مقالات وبحوث
كتب ومؤلفات
قضايا معاصرة
المكتبة الصوتية
فتاوى وسؤالات
دروس التزكية
قضايا العلوم
قضايا المرأة
اتصل بنا
إنـــزال النـَّاســي بالنَّظـــــر

! الســــؤال:
مرت بي امرأة جميلة فأعجبني جمالها فجعلت أنظر إليها وقد نسيت أني صائم وأنه نهار رمضان حتى أنزلت . فهل عليّ قضاء؟
! الـجــــــواب:
أولاً: نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية وكذلك نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي بشهوة محرمٌ محظورٌ في كل زمان باتفاق العلماء، حتى في غير رمضان، فقد قال تعالى آمراً الرجال والنساء بغضِّ الأبصار والكف عن النظ (( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون  وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ))(1 ). ومن الثابت في الصحيح أن النظر زنا العينين (2 ) ، ولذلك فالنظر محرم في رمضان وفي غير رمضان، وعليه فلا شكّ أنّ ما كان محرّماً في غير رمضان فهو في رمضان أشدّ تحريماً وأكثر تجريماً، فإنّ الشرع حرّم في نهار رمضان حتى المباحات وأمر بالإمساك عما أباحه للناس ، فإنْ كان فعل المباح من الأكل والشرب والجماع انتهاكاً لحرمة رمضان فكيف يكون يا ترىَ ارتكاب المحظورات وفعل المحرمات مثل النظر إلى الأجنبية بشهوة؟؟!!.. لاشكّ أنّه إثمٌ عظيم وتعدٍّ جسيم. عافانا الله جميعاً برحمته.
ثانياً: فالسائل ارتكب أمرين:
الأمر الأول: استدامة النظر إلى الأجنبية بشهوة .
والأمر الثاني: الإنزال في نهار رمضان من غير ضرورة ولا إكراه .
ففي مثل حاله لعلماء المذاهب المتبوعة قولان بعد اتفاقهم أنه ارتكب محرماً(3 ):
القول الأول: أنه أفسد صومه بالإنزال بتكرار النظر وعليه القضاء، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في رواية عنه.
القول الثاني: أنه أفسد صومه وانتهك حرمة رمضان في نهاره فعليه القضاء والكفارة، وهو قول مالك، وأبي ثور، وأحمد في الرواية الأخرى وأبي خلف الطبري من الشافعية، وهو القول المحكي عن جماعة من السلف كعطاء والحسن البصري وعبد الله ابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم.
والراجـح :
[1] أن عليه القضاء دون الكفارة،على قول الجمهور، وذلك لسببين:
السبب الأول: أن الحكم عليه بالقضاء هو القول المتفق عليه في المذاهب الأربعة، فكلهم اتفقوا على أنه أفسد صومه وأنّ عليه القضاء، وزاد المالكية ومن وافقهم الكفارة.
السبب الثاني: أنه وإن أشبه الجماع في المعنى ـ إذ فيه الاستمتاع بالنظر والإنزال ـ؛ إلاّ أنه أقلّ بلا شك من الجماع، فلو كان الجماع سبباً للكفارة فما دون الجماع لا يعطى مثل حكمه ، فكان القضاء أنسب بحاله لأنه أقلّ من الجماع كما قررنا.
[2] لا اعتبار لنسيانه أنه كان صائماً، وعليه فلا يصح القياس على من أكل أو شرب أو جامع ناسياً ، لأنّ من أكل أو شرب أو جامع ناسياً فإنما فعل مباحاً في الأصل، ولم يقصد إفساد صومه، ومن استدام النظر وكرره حتى أنزل عصى الله بذلك وأفسد صومه بمحرم ومعصية في الأصل، فكيف يقاس من فعل محرماً في الأصل على من فعل مباحاً؟ لا يستويان مثلاً.
لذلك لزم مع القضاء الاستغفارُ والعزمُ على التوبة والإقلاع عن هذه المعصية. والله تعالى أعلم وهو الموفق إلى الخيرات من يسارع إليها .



(1 ) سورة النور ، الآيات 30-31 .

(2 ) أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة ، فالعينان تزنيان وزناهما النظر ...) الحديث في كتاب القدر باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا برقم 2657 .

(3 ) انظر الأقوال والمذاهب في: بدائع الصنائع ، ج2 ص 100 ، المجموع شرح المهذب ، ج6 ص354-355 ، المغني لابن قدامة ، ج3 ص 58-61  ، كشاف القناع للبهوتي ، ج2 ص 318-321، تبيين المسالك ج2 ص 167.

الإنــزال بمشــاهدة الأفــلام المثيـرة

! الســــؤال:
أنا فتاة محافظة على صيام رمضان، ولكنني أهوى قراءة القصص الغرامية ومشاهدة الأفلام المثيرة " الخليعة" وأقطع أكثر نهار رمضان بهذه الأشياء، وكثيراً ما أندمج مع هذه الأفلام والقصص حتى أشعر بإثارة وبعدها أجد رطوبة " إنزال" فما حكم صيامي مع هذه الأشياء؟
! الـجــــــواب:
هذه المسألة شبيهة بسابقتها ، ولكنها أكثر إفساداً للصيام وأشدّ في المؤاخذة ، فالتي تعيش جلّ وقتها في نهار رمضان بقراءة القصص الغرامية ومشاهدة الأفلام الخليعة اكتسبت إثماً عظيماً وذنباً كبيراً ، وفوق ذلك جلبت على نفسها مفاسد ومساخط وشروراً منها:

  • أتبعت نفسها هواها وفي حديث شداد بن أوس مرفوعاً:
    (.. والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ) (1 ).
  • قدّمت قراءة القصص الغرامية على قراءة القرآن في شهر القرآن، وبذلك خالفت سنن السلف رضوان الله عليهم وسنن الصالحين والصالحات من هذه الأمة المرحومة الذين كانوا إذا دخل رمضان تفرغوا لقراءة القرآن حتى عن تعليم الناس ومدارسة العلوم.
  • ملأت وقتها الثمين بمشاهدة الزور من الأفلام الخليعة التي تبث الفسوق والفجور والعصيان ، وتدعو إلى الخلاعة والمجون، والمؤمن الصالح كرّه الله إليه الفسوق والعصيان.
  • تعمّدت انتهاك حرمة نهار رمضان بإدامة النظر والمشاهدة للخلاعة والمجون ومعايشة الفسوق والفجور، والتفكر والتخيّل حتى أنزلت.

فهذه ـ بلا شك أو خلاف ـ أفسدت صومها وخسرت يوماً كريماً من أيام العفو والمغفرة والرضوان والمثوبات المضاعفة من شهر الرحمة والغفران .
أمّا ماذا عليها ؟، فللفقهاء قولان:
القول الأول: عليها القضاء والكفارة وهو قول المالكية وأبي ثورومحكي عن عطاء والحسن وبعبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، لأنها تعمّدت الإنزال وإخراج مائها بإدامة الفكر والنظر، ومن تعمّد الإنزال بأي حال بقبلة، أو مباشرة، أو إدامة فكر أو تكرار نظر كلهم يجب عليهم القضاء والكفارة.(2 ).
القول الثاني: عليها القضاء وحده فتقضي هذا اليوم الذي أفسدته بصيام يوم آخر مكانه، وهو قول الجمهور، على أن الكفارة خاصة بالجماع(3 ).
وقول الجمهور أرجح مع أنّ الإثم جسيم والفعلة من أقوى مجلبات سخط القوي الجبار ومحققات الخسران المبين، ونرجو أختنا أن تقتلع عن ذلك وتحافظ على شهر رمضان الكريم بما يليق بصومها وأن تملأ وقتها بالنافع المفيد لها في دنياها وآخرتها .



( 1 ) أخرجه أحمد في مسنده ج4 ص 124 ، والبزار في المسند ج8 ص 417 برقم 3489 ، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 6306 ج3 ص 369 ، والترمذي برقم 2459 ج4 ص 638 ، والحاكم في المستدرك ج1 ص 125 برقم 191 وقال الحاكم:"صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه" وقال الترمذي :" هذا حديث حسن".اهـ .

( 2) انظر : الشرح الصغير للشيخ الدردير ، ج1 ص 707 ، تبيين المسالك ، ج2 ص 167. المجموع شرح المهذب ، ج6 ص 354-355 .

( 3 ) راجع : مجموع شرح المهذب الموضع السابق ، بدائع الصنائع ، ج2 ص 100 ، المغني لابن قدامة، ج3 ص 58-61  ، كشاف القناع للبهوتي ، ج2 ص 318-321

التتابـع والتفــريق فــي القضـــاء

! الســــؤال:
عليّ أيام من شهر رمضان أفطرت فيها لمرض ألمّ بي، وأريد أن أقضيها ، فهل واجب عليّ أن أقضيها متتابعة ؟ أم يمكنني أن أقضي هذه الأيام متفرقة يوماً أو يومين ، ثم بعد أيام أو بعد أسبوع ، أو بعد شهر أو شهرين أقضي يومين وهكذا حتى أقضيها جميعها؟.
! الـجــــــواب:
 [1] ذهب أكثر أهل العلم من السلف الصالح والمذاهب الفقهية المشهورة إلى أنّ قضاء رمضان يجوز متتابعاً ويجوز متفرقاً ولكن القضاء متتابعاً أحسن، وهو قول الأئمة الأربعة وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وسفيان الثوري والأوزاعي، ومن التابعين: الحسن البصريوسعيد بن المسيب وعبيدالله بن عبد الله بن عتبة والشعبي وأبي قلابة ومجاهد وغيرهم. وسبقهم إلى ذلك جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم ومنهم: علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وأبو هريرة ، ومعاذ بن جبل وغيرهم.(1 ).
[2] وقال الظاهرية : يجب أن يقضيها متتابعة ويجزئه القضاء متفرقاً إن لم يفعله متتابعاً (2 )، وحكي عن بعض السلف من الصحابة والتابعين منهم: ابن عمر وعائشة وعروة بن الزبير والنخعي(3 ).
[3] وحكي عن الطحاوي أنه قال:"التتابع والتفريق سواء، ولا فضيلة في التتابع"(4 ).

والراجـح :
ما ذهب إليه الجمهور ، فقضاء رمضان يجوز أن يكون متتابعاً ويجوز أن يكون متفرقاً، فلا يأثم من قضى ما عليه من رمضان متفرقاً ، ولكن يستحب لمن أراد القضاء أن يقضي ما عليه متتابعاً وذلك للأدلة الآتية:
[1] ظاهر قوله تعالى: (( ومن كان مريضاً أو على سفرٍ فعدةٌ من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر )) (5 ). والدلالة على جواز التتابع والتفرق في موضعين من الآية الكريمة:
الموضع الأول: في قوله عز وجل: (( فعدة من أيام أخر )) وهذا مطلق غير مقيّد بتتابع أو غيره، فجاز التفرق كما يجوز التتابع.
الموضع الثاني: في قوله سبحانه: (( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ))  ومقتضى اليسر أن يقضي من عليه القضاء بما هو أيسر عليه، فمن رأى أن اليسر له أن يفرق القضاء، فله ذلك .
ومن جميل ما روي في هذا المعنى قول أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ، فقد قال في قضاء رمضان: " إنّ الله لم يرخّص لكم في فطره وهو يريد أن يشقّ عليكم في قضائه "(6 ).
[2] ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فعن صالح بن كيسان قال: قيل: يا رسول الله! رجل كان عليه قضاء من رمضان فقضى يوماً أو يومين منقطعين أيجزيء عنه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( أرأيت لو كان عليه دين فقضاه درهما ودرهمين حتى يقضي دينه أترون ذمته برئت؟ قالوا: نعم. قال: يقضي عنه ) وعن محمد بن المنكدر قال بلغني ثم أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  سئل عن تقطيع قضاء صيام شهر رمضان فقال:(ذلك إليك، أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاء؟ فالله أحق أن يعفو أو يغفر)(7 ).
[3] أنه قول جماهير الصحابة رضوان الله عليهم ، ومن نسب إليه القول بوجوب التتابع فإنه لم يثبت ذلك.

  • فعليٌّ رضي الله عنه روي عنه القول بجواز التفريق كما روي عنه القول بالتتابع، فقد أخرج البيهقي في سننه عن عليّ أنه كان لا يرى به متفرقاً بأساً (8 ).
  • وابن عمر رضي الله عنهما روي عنه القول بجواز التفريق كما روي عنه القول بالتتابع، فقد روي عنه قوله: " إن سافر فإن شاء فرّق وإن شاء تابع " (9 ).
  • والنسبة إلى عائشة غير محقق ، لأنهم إنما نسبوا القول بوجوب التتابع إليها لقولها: " نزلت فعدة من أيام أخر متتابعات ، فسقطت متتابعات " (10 ).فهذا الخبر لا يثبت ولا يصح ، ولو صح؛ فإنها ذكرت أن التتابع قد نُسخ وسقط، فلم يعد مطلوباً.

وعلى هذا فالراجح أن الأمر على السعة بسعة رحمته تعالى ومقتضى تيسيره على أهل الصيام أداءً أو قضاءً ، فله الحمد والمنّة الرحيم  الرحمان.



(1 ) انظر : المغني لابن قدامة ، ج3ص 91-92 ، المجموع شرح المهذب ، ج6 ص 387 ،  حاشية العدوى ج1 ص 457 .

(2 ) انظر : المحلى بالآثار لابن حزم ، ج4 ص 408 مسألة رقم 768 . ، المغني لابن قدامة ، ج3ص 91-92 ، حاشية العدوى ج1 ص 457 .

(3  ) راجع : المصادر السابقة نفسها .

(4  )  المجموع شرح المهذب ، ج6 ص 387 .

(5 ) سورة البقرة ، 185 .

(6 ) المغني لابن قدامة ، ج3 ص 91-92 .

( 7 ) البيهقي في السنن الكبرى ج4 ص 259  وقد حسن إسناده ورواه الأثرم عن محمد بن المنكدر وفي آخره : " فالله أحق بالعفو والتجاوز"، المغني لابن قدامة ج3 ص 92 .

(8 ) سنن البيهقي ، ج4 ص 259 برقم 8035 .

(9 ) المغني لابن قدامة ، ج3 ص 91 .

(10 ) المصنف لعبد الرزاق ، ج4 ص 242 ، برقم 7657 .

مـَــنْ مــات وعليـــه قضاءٌ أو صيــــامٌ

! الســــؤال:
كان على أبي رحمه الله صوم أيام من رمضان لمرض أصابه في شهر رمضان، وقبل أن يقوم بقضاء تلك الأيام عاجَلَه الموت رحمة الله عليه، فهل عليه هو شيءٌ؟ وهل علينا نحن أبناؤه وأهله شيء؟.
! الـجــــــواب:
من مات وعليه قضاء رمضان كله أو بعضه فله حالتان:
الحالة الأُولَى: أن يكون معذوراً في إفطاره أيام رمضان، ودام عذره حتى مات، مثل رجل مرض أياماً من رمضان فأفطر فيها حتى خرج رمضان فاستمر مرضه حتى مات به.
فهذا حكمه أنه معذور حتى عن القضاء ، فلا شيء عليه، ولا على أهله وأبنائه وورثته ، لأن سبب الرخصة كان قائماً ـ وهو المرض أو السفر أو الحمل أو الرضاع ـ فلم يكن مطالباً بصوم أصلاً لا أداءً ولا قضاءً .
وهذا قول أكثر أهل الفقه سوى ما حُكي عن طاوس وقتادة رحمهما الله فإنهما قالا: " يجب الإطعام عنه لأنه صوم واجب سقط بالعجز عنه فوجب الإطعام عنه كالشيخ الهرم إذا ترك الصيام لعجزه عنه"(1)
قلت: القياس على الشيخ الهرم قياس مع الفارق ، لأن الشيخ الهرم ما زال حياً فعليه الصوم أو الفدية، وصاحب المسألة قد مات والميت لا يكلّف.
الحالـة الثانية: أن يتمكن من القضاء بعد رمضان ولكنه لم يقض ما عليه حتى مات.
ففي حكم هذه الحالة ذهب العلماء إلى مذاهب:
المذهب الأول: أن يصوم عنه وليه ، وهو قول الشافعي في القديم ووافقه أبو ثور ، لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليّه ) (2).
والمذهب الثاني: أن على ورثته أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً ولا صيام على أوليائه وورثته، وهو قول الحنابلة والشافعي في الجديد وهو مختار المذهب عندهم، ووافقهما الليث والأوزاعي والثوري وغيرهم، وقد أخذوا بحديث ابن عمر في سنن ابن ماجة مرفوعاً: ( من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً) (3 ).
والمذهب الثالث: أنّه لا شيء على أهله وأوليائه وورثته لا صيام عنه ولا إطعام ، إلاّ إذا وصّى بالإطعام عنه مكان أيامه التي كانت عليه؛ أطعم عنه ورثته عن كل يوم مسكيناً.
ودليلهم الجمع بين الحديث والقرآن والقياس، فالقياس أن العبادات البدنية الأصل فيها عدم النيابة ، فلا يصلي أحد عن أحد ولا يتوضأ أحد عن أحد ، فكذلك لا يصوم أحد عن أحد ، وقد روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما فقال :" لا يصوم أحد عن أحد"(4).
قال ابن عبد البر: "من المجتمع عليه في الصلاة أنه لا يصلي أحد عن أحد ، والقياس عليه يقتضي أن لا يصوم أحد عن أحد ، لأن الصلاة عمل بدن كالصوم ، فلا يصوم أحد عن أحد كما لا يصلي أحد عن أحد "(5)
وعن مالك أنه قال » ولم أسمع أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من التابعين من المدينة أمروا أحداً أن يصوم عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، وإنما يفعل ذلك كل أحد عن نفسه «اهـ (6).                                                          
والقرآن يقرر هذا المعنى في قوله تعالى: (( ولا تزر وزرة وزر أخرى )) (7)، فإيجاب الصيام أو الإطعام على وليه تحميل له ما على غيره، وقوله تعالى: (( وأن ليس للإنسان إلا ماسعى ))  (8) والصيام عنه سعي غيره وليس بسعيه ، فليس له (9).
وبالجمع بين هذه الآيات والقياس السابق وبين حديث عائشة ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) وما روي عن عائشة فقد قالت رضي الله عنها وقد سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم ، فقالت: أطعموا عنها.
قال الشاطبي رحمه الله : » فهذا إخبار بترك العمل دائماً في معظم الصحابة ومن يليهم وهو الذي عول عليه في المسألة، كما أنه عوّل عليه في جملة عمله «  ا هـ (10)
والمعروف عند أهل الفقه أن الجمع أولى من الترجيح ، فكان قول مالك وأبي حنيفة هو الراجح ، فليس على أهل من مات وعليه صيام شيءٌ، لا من صيام ولا من إطعام، ولكنهم ـ مع ذلك ـ لو عملوا بظاهر الحديثين ـ حديث عائشة وحديث ابن عمر ـ فصاموا عنه أو أطعموا عنه فلا مانع، إذ فيه موافقة لظاهر حديث صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لا إلزام عليهم بذلك. .. والله تعالى أعلم ..


(1 ) راجع : المجموع شرح المهذب ، ج6 ص 388 وما بعدها ، المغني لابن قدامة ، ج3 ص 84 – 85 ، الاختيار لتعليل المختار ، ج1 ص 173-174 . الغاية القصوى في دراية الفتوى للبيضاوي ، ج1 ص 415-417، بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، ج2 ص 174-175 .

(2 ) أخرجه البخاري ، كتاب الصوم ،باب من مات وعليه صوم ، برقم 1952 :ج4 ص192 بفتح الباري، ومسلم كتاب الصيام ، باب قضاء الصيام عن الميت ، حديث رقم 153 :ج 7 ص 265 بشرح النووي . وأبو داود كتاب الصوم ، باب فيمن مات وعليه صيام ، حديث رقم 2400 :ج2 ص 315.

(3 ) أخرجه ابن ماجة في كتاب الصيام باب من مات وعليه صيام رمضان برقم 1757 ، ج1 ص 558 . وقال الترمذي : الصحيح أنه موقوف على ابن عمر.

(4 ) الموافقات نفسه :ج 3 ص 40 ، والاستذكار :ج10 ص 168 السنن الكبرى للبيهقي :ج4،
ص 257.

(5 ) انظر : الاستذكار : ج10 ص 173 .

(6 ) الموافقات نفسه .

( 7) سورة فاطر :18 .

(8 ) سورة النجم :39 .

(9 ) انظر : الموافقات :ج3 ص10 .

(10 ) المصدر نفسه 

صيام ست من شوال لمن عليه قضاء فرض

! الســــؤال:
أصبتُ بمرضٍ أيام شهر رمضان مما اضطرني إلى أن أُفطر فيه أياماً، وبعد خروج شهر رمضان وحلول شهر شوال ؛ أحببت أن أدرك فضل صوم ستٍ من شوال ، ثم ترددت ، لأني لم أقض ما عليّ من الأيام التي أفطرتها من رمضان بسبب المرض ، فهل يصحّ مني أن أصوم ستاً من شوال أو أي صيام تطوع وعليّ قضاء رمضان ؟.
! الـجــــــواب:
هذه المسألة تتعلق بحكم التطوع قبل القضاء ، ومعروف أنّ قضاء رمضان واجبٌ لقوله تعالى ( فعدة من أيام أخر ) بينما صيام التطوع ليس بواجبٍ . فالأصل في المسألة أنه لا يجوز الصيام تطوعاً قبل القضاء ، لأن الواجب لا يُترك إلاّ لواجب ، والتطوع ليس واجباً فلو صام تطوعاً يكون قد ترك واجب القضاء من أجل التطوع غير الواجب.
ومع ذلك اختلفت أقوال الفقهاء في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول : يرى عدم جواز صيام التطوع قبل القضاء ، بناءً على القاعدة السابقة " لا يُترك الواجب إلاّ لواجب " ولحديث أحمد عن
أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : ( من صام تطوعاً وعليه من رمضان شيء لم يقضه؛ فإنه لا يُتقبل منه حتى يصومه )(1).
القول الثاني : يرى جواز التطوع وإنْ كان عليه قضاء ، لينال فضيلة شوال ، فيجوز له أن يصوم ستاً من شوال ثم يقضي ما عليه من رمضان، لأمرين:
الأمر الأول: أن القضاء عبادة تتعلق بوقت موسّع ، فلا تزاحم بين القضاء والتطوع، لأنه يستطيع أن يقضي ما عليه من رمضان في أي وقت غير شوال ، ولا يستطيع أن ينال فضل شوال إلا في شوال.
والأمر الثاني: قياساً على الصلاة ، فإنه يتطوع في وقتها ، فكذلك الصوم.
والقولان مرويان عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
القول الثالث: يذهب إلى جواز الجمع بين القضاء والتطوع بصيام واحد يُشرك فيه نية التطوع مع نية القضاء ، فيصوم القضاء في وقت الفضيلة ، كأن يقضي ما عليه من رمضان في شوال جمعاً بين قضاء رمضان وصيام ست من شوال ، أو يقضي رمضان في أيام العشر من ذي الحجة ونحو ذلك. ومن أدلة هذا القول:
[1] ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يستحب قضاء رمضان في العشر من ذي الحجة.
[2] الأشباه والنظائر من العبادات التي يجوز الجمع فيها بين الواجب والمستحب ، ومن ذلك :
[أ] من كان عليه غُسل واجب يوم الجمعة فجمع بين الواجب والمستحب في غُسل واحد صح منه وأجزأه ، ويشير إليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من غَسّل يوم الجمعة واغتسل ، وبكّر وابتكر ، ودنا واستمع وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها ) (2).
[ب] يمكن أن تؤدى تحية المسجد بفرض بحيث إذاْ نوى الفرض وتحية المسجد حصلا له، وإن لم ينو التحية لم يحصل ثوابها، كما يقول المالكية.
[ج] من عليه قضاء فوائت من صلاة قديمة فوقّته في أوقات التنفل المستحبة كوقت الضحى ووقت التهجد بالليل صحّ .
كذلك يجوز ويصحّ توقيت قضاء رمضان في الأيام المستحب صيامها كست من شوال وعشر ذي الحجة ويوم عرفة ونحو ذلك .
والراجح :
الخيار للصائم في الثلاثة ، فإنْ قضى أولاً ثم صام التطوع كان خيراً له، وإنْ لم يستطع أو شق عليه ذلك ، فصام تطوعاً الست من شوال ثم قضى فيما بعد كان خيراً ، وإنْ جمع بين القضاء والتطوع في صيام واحد بإشراك نية التطوع في القضاء لنيل فضيلة شوال كان أيضاً خيراً ، وصحّت منه الصور الثلاث (3).



(1 ) أخرجه أحمد في المسند ج2 ص 352 برقم 8606 ، والطبراني في الأوسط وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/179) وهو حديث حسن .

(2 ) أخرجه الترمذي وحسنه .

( 3 ) أما حديث أبي هريرة فقد قال فيه ابن قدامة : " في سياقه ما هو متروك " إذ أن صدر الحديث يظهر علة فيه وصدره ( من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء لم يقضه لم يتقبل منه ...) وهذا يشمل من كان له عذر ولم يكن له عذر ، كما أنه يقضي بأن من عليه قضاء رمضان الماضي لا يصوم رمضان ، وهذا لا يستقيم ، مما يجعل الخبر مقدوحاً هذا مع الاختلاف في صحته بسبب ابن لهيعة ، والله أعلم .. وراجع المغني لابن قدامة ، ج3 ص 68 .

الفطـــر للتقــوِّي علـــى إنقـــاذ غـــريق

! الســــؤال:
كنت صائماً في يوم من أيام رمضان في بلادنا بالشمالية، وبعد صلاة العصر وأنا على شاطيء النيل إذا بي أرى غريقاً يستنجد ويطلب النجدة والإنقاذ، وكنت مرهقاً جداً وشعرت أنني لا أستطيع إنقاذه إلاّ إذا أفطرت فسارعت إلى النيل فشربت منه ماءً حتى أنقذ الغريق، وبالفعل وفقني الله تعالى في إنقاذه والحمد لله، فما حكم إفطاري من أجل إنقاذ الغريق ؟.
! الجـــــواب:
أحمد الله إليك أخي السائل، وأسأله بكرمه أن يجزيك خيراً بصومك وفطرك، وأن يتقبل هذا العمل الصالح ويثقل به موازينك يوم القيامة.
فإنّ ما قمت به من النجدة لإنقاذ أخيك المشرف على الغرق لعمل صالح تجزى به خيراً من ربك بكرمه ومنّه تعالى، ولا سيما في رمضان الذي تتضاعف فيه جزاء الأعمال ومثوباته أضعافاً كثيرة.
وقد ذهب العلماء إلى جواز الفطر للتقوِّي على إنقاذ الغريق ، وذهب فريق منهم إلى أن الصائم رأى مشرفاً على الغرق ولم يمكّنه تخليصه وإنقاذه إلاّ بالفطر ليتقوّى على إنقاذه ؛ فإنه واجب عليه أن يفطر وينقذ الغريق(1 ). وذلك للآتي:
[1] أنّ إنقاذ الغريق واجب ، ولكن لا يتحقق هذا الواجب إلاّ بالفطر لعجز الصائم عن إنقاذه ، فوجب الفطر ، لأن ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب .
[2] ولأن إنقاذ الغريق حق آدمي ، والصيام حق الله تعالى ، وحق الآدمي مقدّم على حق الله تعالى، لأن الله تعالى لا يلحقه الضرر بفوات حقه بينما الآدمي يتضرر بفوات حقه فقُدِّم حق الآدمي على حقه تعالى.
[3] ولأنّ الصيام من حفظ الدين، وإنقاذ الغرق من حفظ النفس، فكلاهما من الضروريات الخمس، ولكن حفظ نفس الغريق يفوت تداركه بالحفاظ على الصيام، بينما الصيام لا يفوت تداركه بالفطر، لأنه يمكنه أن يتداركه بقضاء يوم مكان الذي أفطر، ومن فقه المقاصد أنّ ما يفوت تداركه بإهماله أولى بالتقديم مما لا يفوت تداركه بإهماله (2 ). .. والله تعالى أعلم ..



( 1 ) انظر : قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام ، ج1 ص 53 ، المجموع شرح المهذب، ج6 ص 340 .

( 2 ) راجع كتابنا : فقه المقاصد ، ص 396-397 .

المجامـــع إلــى طلـــوع الفجــــــر

! الســــؤال:
ما حكم صيام من كان يجامع أهله في ليلة من ليالي رمضان وهو يظن أن الفجر بعيد فإذا به يسمع النداء يؤذن بطلوع الفجر؟
! الـجــــــواب:
الذي يجامع إلى طلوع الفجر له أحوال، وهم أصناف:
الصنف الأول: من كان يعلم بدنو الفجر ووشوك طلوعه فبادر إلى الجماع فطلع عليه الفجر وهو يجامع وكان يعلم من عادته أن الفجر سيطلع عليه وهو لا يزال في حال الجماع .
فهذا يُكره في حقه الجماع وإن كان قد بدأ ليلاً، وعليه قضاء هذا اليوم سواء نزع مع الفجر أو تمادى، لأنّه أشبه بالذي تعمّد إفساد صيامه، فيحكم بفساد صيام هذا اليوم فيقضيه.
الصنف الثاني: من كان يظنّ أن الفجر بعيد وأن الليل سيكفيه لقضاء وطره من أهله ، أو شكّ في قرب الفجر أو في دنوه ففاجأه الفجر بطلوعه، فتمادى في الجماع وهو يسمع النداء .
فهذا المجامع إذا علم بطلوع الفجر ثم مكث مستديماً للجماع ولم ينْزع؛ بطل صومه بلا خلاف ، وعليه القضاء والكفارة عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة ، لأنه علم بطلوع الفجر فترك صوم رمضان بجماع . وعند أبي حنيفة عليه القضاء فقط دون الكفارة.(1 ).
الصنف الثالث: من كان يظن بعد الفجر وبقاء الليل فطلع عليه الفجر وهو يجامع فأول ما علم بطلوع الفجر نزع في الحال وقطع جماعه.
فهذا للعلماء في حكمه أقوال :
القول الأول: أنه بطل صومه وعليه القضاء والكفارة ، وهو قول ابن حامد والقاضي أبي يعلى من الحنابلة ، وهو بعيد عن أصول الشريعة، وضعيف من جهة الدليل لأنه لم يقصر ولم ينتهك حرمة رمضان.
القول الثاني: أنه بطل صومه وعليه القضاء فقط، وهو قول مالك، لأن صومه فسد ولكنه لا يقدر على أكثر مما فعله في ترك الجماع .
القول الثالث: أن صومه صحيح لم يبطل ، ولا شيء عليه لا قضاء ولا كفارة، وهو قول الجمهور من الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة، وهو قول طائفة من التابعين وغيرهم كسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن البصري ، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم(2 ).
وهذا القول هو الراجح لأنّه لم يكن آثماً ولا مسيئاً حين جامع بليل، ولم يكن متساهلاً أو قاصداً انتهاك حرمة رمضان لأنه ظنّ أن الفجر بعيد، ولم يكن مفرطاً فتمادى في الجماع بل بادر وحمل على نفسه فنَزع وقطع جماعه، فاتقى الله بما استطاع وليس في مقدوره أن يفعل أكثر مما فعله في ترك الجماع، ولا يمكن أن يقال: إنّ ترك المبطل للصوم يبطل الصوم. فبقي صيامه صحيحاً فلا يطالب بقضاء ولا بكفارة.



(1 ) انظر : المجموع شرح المهذب ، ج6 ص 416 – 419.

(2 ) انظر: المجموع نفسه ج6 ص 319 ، المغني لابن قدامة ، ج3 ص 65 ، مجموع الفتاوى لابن تيمية ، ج25 ص 263 – 264 .

حكم إفطار العروسين في رمضان

الســــــؤال :
عندنا في بلادنا من زمن بعيد عادة معروفة ، وهي أنّ العروسَيْنِ المتزوجين حديثاً لا حرج عليهم إذا أفطروا في شهر رمضان ، لحاجتهم إلى اللقاء المستمر ليلاً ونهاراً ، بل إنّ بعض الناس فيهم يصرّون على إفطار العروسَيْنِ إلى درجة إجبارهم من بعض أوليائهم لحملهم على الإفطار ليتمكّنوا من اللقاء ليلاً كان ذلك أو نهاراً ، فما حكم هذه العادة أثابك الله ؟.
الجــــــــواب :
أولاً : مما يجب أن يكون معلوماً لدى الناس أن الزواج حديثاً كان أو قديماً لا يوجب الجماع على العروسين مما يجعلهم ينتهكون بسببه حرمة هذا الشهر الفضيل، لا ليلاً ولا نهاراً ، ولو أخّر العروسان اللقاء بينهما أو الجماع إلى الليل أو شهراً أو شهرين أو أكثر لا مؤاخذة عليهما بذلك في شرع الله، ناهيك أن يفطروا بسببه في رمضان .
ثانياً : ليس الزواج في رمضان من مبيحات الفطر فيه ، لم يجعل الزواج من مبيحات الفطر أحدٌ من أهل العلم ولا من أنصاف أهل العلم ، وعليه :

  1. لا يجوز لأحدٍ تزوّج حديثاً في شهر رمضان أن يفطر فيه بحجة أنه عروس جديد ، ولو أفطر فيه وجب عليه القضاء والكفارة ، لأنه قد انتهك حرمة نهار رمضان من غير عذر شرعي مبيحٍ للفطر فيه .
  2. قد اكتسب إثماًً عظيماً كل من حمل أحداً للفطر في رمضان بأنه عروسٌ وعليهم أن يتوبوا إلى الله تعالى .

ثالثاً : لا يعني هذا أنّ هنالك مانعاً من الزواج في شهر رمضان ، بل ربما كان الزواج في شهر رمضان خيراً وبركة ، لمن أمن انتهاك حرمة ، وفي آيات الصوم إشارة إلى أنّ هذا الشهر الكريم يكرم الأزواج الذين يريدون الولد فيرشدهم إلى طلبه في لياليه ، وذلك في قوله تعالى ( فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ ) بعد أن أباح اللقاء والجماع في ليالي رمضان قائلاً : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ ) (1).
والله تعالى هو الهادي إلى الصواب..



(1 ) سورة البقرة ، 187 .
الجماع في نهار رمضان وخصال الكفارة

! الســــؤال:
في يوم من أيام رمضان وأنا صائم زادت رغبتي في إتيان أهلي، وثارت شهوتي ولم أستطع أن أصبر حتى الليل فأتيت أهلي في نهار رمضان، وأنا أعلم أن من فعل مثل هذا عليه القضاء والكفارة، فكيف أكفر وبماذا أكفر ؟.
! الـجــــــواب:
الكفارات شرعت في الإسلام للزجر عن تعدي حدود الله ، وانتهاك حرمات الدين، ففي الصيام شُرعت الكفارة للزجر عن انتهاك حرمة الصيام لا سيما في رمضان حتى لا تنتهك حرمة نهار رمضان، عقوبة لمن يفعل ذلك . ولا شكّ أن السائل انتهك حرمة نهار رمضان بفعل قد نُهي عنه وأُمر أن يمسك عنه بالصيام وهو الجماع، ولذلك فعليه كفارة وهو يعلم ذلك.
والذي يكفِّر به عن هذه الفعلة الكبيرة وغيرها من موجبات الكفارة أحد ثلاثة أمور:
[1] صيام شهرين متتابعين من غير انقطاع ولا تراخ .
[2] إطعام ستين مسكيناً من أوسط ما يطعم به أهله.
[3] عتق رقبة .
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى على الذي أتى أهله في نهار رمضان بذلك .
ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " هلكت يا رسول الله ! قال: ( وما أهلكك؟ ) قال: "وقعت على امرأتي في رمضان" قال: " هل تجد ما تعتق به رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم به ستين مسكيناً؟ قال: لا ، ثم جلس، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق فيه تمر (1 ) فقال: تصدق بهذا . قال: أفقَرَ منّا؟ فما بين لابَتيها أهل بيت أحوج إليه منا " فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال:(اذهب فأطعمه أهلك)(2 ).ئ
والعلماء في أيّ من الكفارات هي التي تجب على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ما ذهب إليه الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة في مشهور مذهبهم: أن الأمور التي يكفّر بها على الترتيب ، فإنه واجب عليه أن يكفّر بعتق رقبة ، فإن لم يجد وجب عليه صيام شهرين متتابعين ، فإن عجز عن ذلك ؛ كفّر بإطعام ستين مسكيناً (3 ).
والقول الثاني: هو ما ذهب إليه مالك، وأحمد في رواية عنه، وهو التخيير بين الكفارات الثلاث ، غير أن المالكية يفضّلون الكفارة بالإطعام في المشهور معللين أنه أعمّ نفعاً(4 ).
والقول الثالث: هو الذي ذهب إليه الإمام يحيى بن يحيى الليثي من أصحاب مالك، وهو أن الكفارة الواجبة هي التي تحقق مقصودها من الزجر للمتعدّي، وقد حكي عنه رحمه الله تعالى أن حاكم الأندلس
عبد الرحمن بن الحكم المرواني نظر إلى جارية له في رمضان نهاراً ، فلم يملك نفسه أن واقعها ، ثم ندم ، وطلب الفقهاء وسألهم عن توبته، فقال يحيى بن يحيى : " صم شهرلاين متتابعين " فسكت العلماء، فلما خرجوا قالوا ليحيى: " مالك لم تفته بمذهبنا عن مالك أنه مخيَّرٌ بين العتق والصوم والإطعام؟ " فقال : " لو فتحنا له هذا الباب لسهل عليه أن يطأ كل يوم جارية ويعتق رقبة ، فحملته على أصعب الأمور لئلا يعود" (5 ).
والراجـح :
أننا نحقق مقصد الشارع من تشريع الكفارة، فإن مقصود الكفارة تحصيل الزجر في نفس منتهك حرمة نهار رمضان، وأن يشعر بنوع شدّة وعقاب، وكما قال تعالى: (( أَو كَفَارةٌ طَعَامُ  مَساكِين أَو عَدلُ ذلكَ صِياماً ليذوق وبال أمرِه ))(6 ).
ولذلك يجب أن يُفتَى من وجبت عليه كفارة بأنّه:

  • إنْ كان ميسور الحال جداً بحيث إذا كفّر بالإطعام أو العتق لا يحصل له الزجر بذلك ؛ فيجب عليه أن يكفر بالصيام ولا يكون مخيّراً بحال، لأنه لن يزجره الإطعام ولا العتق، لأنه سهل عليه ميسور له أن يجامع كل يوم فيكفر بإطعام ستين مسكيناً بل أكثر أو يعتق رقبة أو أكثر، فيستهين بحرمة رمضان، فحتى يزجر يؤمر بصيام شهرين متتابعين.
  • وإنْ كان معروفاً بحبه للمال وضنّه به وتقتيره حتى على نفسه ، وأنه يكون زاجراً له أن يؤمر بالعتق أو الإطعام ، أُمر بأحدهما.
  • وإنْ كان ممن يُظَنّ فيه أن أية خصلة من خصال الكفارة الثلاث يحصل له بها الزجر خُيِّر بينها.

وبهذه الطريقة نكون قد أعملنا قول جميع الفقهاء وحققنا المذاهب الثلاثة مع تحقيقنا لمقصود الشرع من تشريع الكفارات.
ولكن عتق الرقبة غير وارد في زماننا إلاّ أن يشاء الله تعالى قريباً بغلبة الأمة على الأمم لا سيما الطاغية المستكبرة، فلم يبق من خصال الكفارة إلاّ صيام الشهرين المتتابعين وإطعام ستين مسكيناً، فيؤمر بأحدهما على الطريقة التي قررناها. والله تعالى أعلم..


(1 ) العرق بفتح الراء هو الزنبيل أو القفة أو الكيس أو الجراب ، وقد حدده الفقهاء بأنه ما يسع خمسة عشر صاعاً، وهي ستون مداً لستين مسكيناً ، لكل مسكين مدٌّ . راجع : شرح النووي لصحيح مسلم:ج8 ص 226.

(2 ) البخاري كتاب الصوم باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء برقم 1936 ، وفي باب المجامع في رمضان هل يطعم أهله برقم 1937 . ومسلم في الصيام باب تغليظ تحريم الجماع برقم 2590-81/1 ج8 ص 224 –227 بشرح النووي.

(3 ) انظر : بدائع الصنائع ، ج2 ص 99 ، المجموع شرح المهذب ج6 ص 343 ، المغني لابن قدامة ، ج3 ص 66

(4 ) انظر : المغني لابن قدامة ، ج3 ص 66 ، التاج والإكليل ج2 ص 435، كفاية الطالب الرباني ، ج1 ص 276، تبيين المسالك ، ج2 ص 169-170 .

(5 ) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ج7 ص 257 مكتبة الصفا طبعة 1424هـ 2003م.

(6 ) سورة المائدة ، من الآية 95 .

جميع الحقووق محفوظة لموقع الأستاذ الدكتور عبد الله الزبير © 1432هــ
تم التصميم بواسطة: التميز للتصميم والإبداع الفني