
! الســــؤال:
صائمٌ مرَّ على مسافر يأكل الغداء ، فدعاه ، فأكل معه وشرب، ثم تذكر أنه كان صائماً ، وأنه أكل وشرب ناسياً. فما حكمه ؟
! الـجــــــواب:
للعلماء فيه قولان :
القول الأول : للمالكية : قالوا : إذا أكل أو شرب بنسيان فسد صومه ووجب عليه القضاء ، لأن الإمساك ركن الصوم فأشبه ما لو نسي ركعة من الصلاة ـ وهي ركن فيها ـ فإنه يأتي بها قياساً عليه من أكل ناسياً فإنه يكون قد أفطر فيأتي بهذا اليوم قضاء(1) .
قال ابن رشد وهو من المالكية : "إيجاب القضاء بالقياس فيه ضعف، إنما القضاء عند الأكثر واجب بأمر متجدد" أ.هـ(2) .
القول الثاني : للجمهور أن من أكل أو شرب ناسياً صومه صحيح لم يفسد ولا قضاء عليه . واستدلوا بحديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه ، فإنما أطعمه الله وسقاه)(3) . وعن أبي هريرة أيضاً مرفوعاً: (من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة )(4) . وعن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: (من أكل في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه)(5). ويوافق هذه النصوص قوله تعالى: ((ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا )) [البقرة : 286]، قال : قد فعلت ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وضع عن أمتي الخطأ والنسيان) وكلاً نصّ في محل النزاع ، وتصريح بصحة صوم من أكل أو شرب ناسياً ، وأنه لا قضاء عليه تصريحاً لا يحتاج معه إلى قياس ولا تأويل .
( 1) ينظر : تبيين المسالك ، 2/162-163 .
(2 ) بداية المجتهد 2/182 .
(3 ) أخرجه الشيخان : البخاري في الصيام برقم (1933) ، ومسلم في الصيام برقم (2709) .
(4 ) أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدار قطني وصححه ابن حجر في بلوغ المرام بشرح سبل السلام 2/660 .
( 5) حسنه ابن حجر في الفتح 4/186 وقال : "يصلح للاحتجاج" .
! الســــؤال:
نشم على بعض الناس روائح الطيب والعطر في نهار رمضان ، كما نجد بعضهم يستخدمون البخور ويشمونه ، أفلا يفسد هذا الصيام؟
! الـجــــــواب:
القاعدة عند المالكية ومن وافقهم : أن من وصل أثره في الحلق مما يمكن الاحتراز به وكان مما يتكيف به ، فسد به الصوم ووجب به القضاء.
ويرى ابن تيمية أن البخور والطيب والدهن والكحل والاغتسال كل ذلك مما تعم به البلوى ، فلو كان مما يفطر لبيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم كما بيَّن الإفطار بغيرها ، فلما لم ينه الصائم عن ذلك دلَّ على جواز تطيبه وتبخيره وإدهانه واكتحاله(2) .
وهذا هو الصحيح : لأنها مما يُعلم مثلها بالأقيسة لأنها كانت معروفة في عهد التبيين فلم تبيَّن. والله أعلم …
( 1) ينظر : تبيين المسالك 2/164-166 ، والشرح الصغير 1/698-699 ، والمغني 3/40 ، وحاشية ابن عابدين 2/112 .
(2 ) مجموع الفتاوى 25/242 .
! الســــؤال:
هل يجوز للصائم أن يستاك في نهار رمضان ؟ وماذا عليه لو استعمل مسواكاً رطباً ؟ وهل يصح صومه إذا استاك بالمعجون المعطر؟
! الـجــــــواب:
[1] ذكر البخاري في صحيحه عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال : (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم ما لا أحصي ولا أعد )( ) .
وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم :
[2] ولهذا اتفق أهل العلم على جواز الاستياك في أول النهار بالسواك اليابس .
[3] أجاز المالكية والحنفية السواك كل النهار ، وكره أحمد والشافعي السواك في آخر النهار لحديث : ( لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك )( ) . ولكن السواك لا يذهب الخلوف لأنه من خلو المعدة وفراغها من الطعام والشراب ، ومهما استاك الصائم لا يذهب خلوف فمه ، فيبقى أطيب عند الله من ريح المسك .
كرَّه المالكية وأحمد في رواية عنه السواك بالرطب خوف تحلله. وأجازه أبو حنيفة .
والصحيح : جواز الاستياك بالرطب واليابس ، وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين ، والدليل معهم إذ لم يخص اليابس من الرطب .
والسواك بالمعجون والفرشاة في نهار رمضان لا بأس به ما لم يتجاوز الحلق شيء منه ، وطعم المعجون كطعم المسواك الرطب في الاعتبار ، فلا يؤثر في صحة الصوم به.
! الســــؤال:
طابخ يريد أن يتذوق طعم ما طبخ للتأكد من النضوج أو لمعرفة مقدار الملح ، هل يبطل صومه ؟
! الـجــــــواب:
[1] كرَّه مالك والحنفية ذوق الطعام من غير حاجة وإن لم يدخل في جوفه شيء(1) .
[2] وجوز الحنفية ، تذوق الطعام للحاجة ، وأنه يكره لغير الحاجة، والحاجة تزيل الكراهة والحاجة هنا هي كون الزوج أو المخدِّم يسائل أو يغضب إذا قلَّ الملح في الطعام أو زاد ، ونحو ذلك ، ووافقهم شيخ الإسلام ابن تيمية ، إلاّ أنّه نبّه إلى أنّه مع كراهيته لغير حاجة لكنه لا يفطر فقال:( وذوق الطعام يكره لغير حاجة ، لكنه لا يفطره ، وأمّا للحاجة فهو كالمضمضة ) (2) اهـ .
والصحيح الجواز ، لأنه لم يرد من السنة ما يمنعه ، وهو مما تعم به البلوى ولو كان ممنوعاً للصائم لنهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد أجاز تذوق الطعام ابن عباس رضي الله عنهما وجماعة من التابعين:
! الســــؤال:
رجل في بعض القرى يصوم ولكنه في نهار رمضان - وهو صائم - يشرب الدخان "السجاير" ويقول : إنه غير مفطر وهو مكروه فقط . ما حكمه ؟
! الـجــــــواب:
السجاير وشرب الدخان حرام باتفاق جماهير أهل العلم ، ولا يختلف في حرمته فقيه في الشرع عالم بمقاصده ، لأنه ضار بإجماع الأطباء وأهل العلم بالطب ، وفعل ما فيه ضرر بين ـ قطعياً كان أو غالباً ـ محرم باتفاق . ومع ذلك قال كل من سئل عن حكمه بالحرمة . إلا ما حُكيَّ عن بعض المتأخرين والمعاصرين في مصر وغيرها بأنه مكروهٌ كراهة تحريم. "والمكروه كراهة التحريم" مصطلح معروف عند أهل الفقه والأصول، خاص بالحنفية وهو من قسم المحرم عندهم الذي لا يكفر منكره ، بينما المحرم يكفر منكره لأن دليل المحرم قطعي لا شبهة فيه ودليل المكروه كراهة التحريم فيه شبهة .
وعلى كلٍ : فالسجاير محرمة ولا يُعلم خلاف في حرمته . وشربها في نهار رمضان يفسد الصوم ، لأنه يمكن التحرز منه ، فإن فعله متعمّداً عالماً بإفساده وجب عليه القضاء والكفارة لأنه منتهك حُرمة الصيام بمحرم، وإن فعله جاهلاً بإفساده وجب عليه القضاء، وإن فعله ناسياً، لا قضاء عليه.
وقد نظم بعض الحنفية في ذلك بيتين قائلاً(1) :
ويمنع من بيع الدخان وشربه
وشاربه في الصوم لا شكَّ يفطر
ويلزمه التكفير لو ظنَّ نافعاً
كذا دافعاً شهوات بطنٍ فقرروا (2)
(2 ) وقد أصدر مجلس الإفتاء الشرعي بالسودان في جلسته بتاريخ 20/11/1990م و 29/10/1991م فتوى بتحريم السجاير ، ونصّ شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت على تحريمها وأيضاً الدكتور أحمد الشرباصي في كتابه يسألونك في الدين و الحياة ص 258 - 259 ، وكذلك الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه الحلال والحرام ص 77 .
! الســــؤال:
رجل يعول أسرة ويعمل في الزراعة ، وحان وقت الحصاد في رمضان، والحصاد يأخذ من الوقت ما يقارب الشهر ، ويشقّ عليه الجمع بين الصيام وبين الحصاد ، فماذا يفعل ؟ وهل يجوز له أن يفطر بسبب الحصاد ؟.
! الـجــــــواب:
نصّ كثير من علمائنا المعاصرين على أن الأعمال الشاقة من الأعذار المبيحة للفطر ، وألحق بعضهم أصحابها بالشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض المزمن الذي لا يرجى برؤه . (1)
وأصحاب الأعمال الشاقة بالنسبة لصيام رمضان على مراتب:
وبالفعل يدخل أصحاب الأعمال الشاقة ممن يعجز عن الصيام معها أو يشقّ عليه الصوم مشقة شديدة في معنى قوله تعالى: (( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين )) .
ووجه الترخيص لهم بالفطر وترك الصيام بسبب الأعمال الشاقة؛ هو: أنّ صاحب العمل الشاق يتنازعه واجبان : واجب إعالة أسرته من الأبناء والزوجة والنفقة عليهم لقوله تعالى: ((وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف )) [البقرة: 233](2). وواجب الصيام . ولكن واجب الصيام واجب قاصر عليه وحده ، وواجب النفقة واجب متعدٍّ يتجاوزه إلى غيره من الأبناء والأهل . ومن ناحية أخرى : واجب النفقة تتعلق به حقوق الآخرين ، وحقّ الآدمي مقدّم في الأداء على حق الله تعالى ، والواجب المتعدّي أولى بالتقديم من الواجب القاصر ، ومعروف عند الفقهاء أن الواجب لا يترك إلاّ لواجب ، فترك صاحب العمل الشاق واجب الصيام لواجب الإنفاق . .. والله تعالى أعلم ..
( 2) البقرة ، 233 .