القائمة الرئيسية
الصفحة الرئيسية
الترجمة الشخصية
مقالات وبحوث
كتب ومؤلفات
قضايا معاصرة
المكتبة الصوتية
فتاوى وسؤالات
دروس التزكية
قضايا العلوم
قضايا المرأة
اتصل بنا
وقت جواز الفطر للمسافر

! الســــؤال:
إذا عزمت على سفر مباح ، وتيقنت أني سأسافر ، فمتى يجوز أن آكل وأشرب ؟ هل يجوز لي أن أبدأ الفطر من البيت ؟ أم في الطائرة بعد أن تقلع ؟ أفيدونا أفادكم الله .
! الـجــــــواب:
المسافر بالنسبة إلى الفطر على أحوال عديدة :
الأول : من عزم على السفر وتيقّن أنه سيسافر ، وراحلته ـ أو سيارته ـ ببابه يملك تحريكها، وقد استعدّ للخروج ، ولبس ثياب السفر؛ لمثل هذا المسافر يجوز الفطر من بيته ، لأنّه متيقّنٌ من السفر ، وقد رُوي هذا عن أنس بن مالك رضي الله عنه. قال محمد بن كعب : " أتيت أنس بن مالك رضي الله عنه في رمضان ، وهو يريد سفراً ، وقد رُحِلت له راحلته ، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ فقال: سنّة ، ثم ركب " (1).
قال ابن العربي المالكي :"أما حديث أنس فصحيح،يقتضي جواز الفطر، مع أهبة السفر،وهذا هو الحقّ "(2).وهو مذهب الحسن البصري والذي أقرّه الشوكاني (3).
الثاني : مَنْ عزم على السفر بطائرة على خطوط جويةلم يجرّب عليها تخلّفٌ ولا تأخّر ، فخرج من بيته ، جاز له الفطر في صالة المغادرة بعد أن يكمل إجراءات السفر المعروفة ، وتأكد له أن الطائرة ستقلع قبل الغروب، وكذلك من دخل صالة المغادرة للسفر بالقطار وقد تيقّن أنه مسافرٌ في خلال ساعات قبل غروب الشمس ، ومن باب أولى من ركب الطائرة أو القطار أو السفينة قبل التحرك والإقلاع .
وقد رُوي عن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أراد السفر في رمضان فركب السفينة من الفسطاط " مصر القديمة " فدفع ثم قرب غداءه ، وكان معه جعفر بن جبر ، فقال له: اقترب. فقال له جعفر:ألست ترى البيوت؟قال أبو بصرة:"أترغب عن سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم "(4).
الثالث : من عزم على السفر ، ولكنه لا يملك راحلة خاصة ـ أو سيارة ـ أو لم يؤكّد الحجز ، أو حجز على خطوط جُرّبت أنها تتأخّر أحياناً وتتخلّف أحياناً ، في هذه الحالة لا يجوز الفطر إلاّ إذا خرج عن البيوت وتجاوز البلدة أو المدينة .
وهذا الذي عليه جمهور أهل الفقه، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد(5)، ثم أفطر فأفطر الناس" (6). . والله تعالى أعلم ..


(1 ) أخرجه الترمذي في كتاب الصوم باب من اكل ثم خرج يريد سفراً ، برقم 799 ، 800 ، وقال : هذا حديث حسن .

( 2) عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي ، لابن العربي .

( 3) نيل الأوطار ، 4/229 ، الاستذكار 10/88 .

(4 ) أخرجه أبو داود كتاب الصوم ، باب متى يفطر المسافر برقم 2412 .

(5 ) الكديد عين جارية بين المدينة وعسفان .

(6 ) أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الصيام 1/294 ، والبخاري كتاب الصوم برقم 1944 .

من كانت عادته السفر

! الســــؤال:
رجل عادته السفر، يسافر كثيراً، لأن عمله يقتضي ذلك، فهو يعمل طيّاراً، أو بحّاراً، أو سائق قطار، أو سائق شاحنة أو ناقلة (نفط) أو بص سفري، فهو مسافر دوماً، هل من حقّه أن يفطر؟ أم يجب عليه الصيام؟.
! الـجــــــواب:
هؤلاء أيضاً حالات:
الأول : من كان السفر عادته لأي سبب من الأسباب التي ذُكرت؛ وكان الصوم مع السفر لا يشق عليه ، الأولى به أن يصوم في سفره ، لأن إمكان القضاء مشكوك لدوام سفره، وسبب      الرخصة قائم   ـ أي السفر ـ  ويرى الشافعية أنه يحرم عليه الفطر إن كان ممن يديم السفر إلاّ إذا لحقه بالصوم مشقة زائدة .
الثاني : من كانت عادته السفر ، وكان الصوم يشقّ عليه ، وله أيام يتمكّن فيها من الاستقرار والتوطّن في بيته أو في بلدته أو في مدينة من المدن التي يتوقّف فيها إما للراحة أو للعمل أو غيره ؛ في هذه الحالة يفطر في سفره ويصوم وقت استقراره ، ويقضي الأيام التي أفطر فيها .
الثالث: من كانت عادته السفر، والصوم يشقّ عليه مشقة شديدة، ولا يجد فرصة للقضاء سنوات عديدة ؛ هذا يُلحق بالشيخ العاجز والعجوز والمريض الذي لا يرجى برؤه قريباً ، فيفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً ، فإن وجد فرصة للقضاء قضَّى .
الرابع: من كانت عادته السفر ، ولكن سفره كاستقراره ، كالملاّح أو البحّار الذي يسافر في السفينة ومعه زوجته ، هذا يستحب له الصيام، وإنْ أفطر لا يأثم .
$ وعلى كُلٍ : فالسفر مبيح للفطر إنْ كان سفراً مباحاً، سواءٌ كان يديم السفر أو كان كثير السفر أو قليله .

قال ابن تيمية رحمه الله : " ويفطر من عادته السفر إذا كان له بلد يأوي إليه ، كالتاجر الجلاّب الذي يجلب الطعام، وغيره من السلع، وكالمكاري الذي يكري دوابه من الجلاب وغيرهم ، وكالبريد الذي يسافر في مصالح المسلمين ، ونحوهم ، وكذلك الملاّح الذي له مكان في البر يسكنه. فأما من كان معه في السفينة امرأته وجميع مصالحه ، ولا يزال مسافراً ؛ فهذا لا يقصر ولا يفطر
الصوم أفضل للمسافر أم الفطر؟

! الســــؤال:
كثيراً ما يختلف الناس ويتنازعون في للمسافر : هل الأفضل في حقه الصوم أم الأفضل الفطر خاصة إذا كان لا يجد مشقة ظاهرة في سفره؟.
! الـجــــــواب:
 [1] من تصوّر من العلماء مشقة القضاء وكونه معلّقاً على الظروف بعد أيام رمضان ، والمسافر لا يشق عليه الصوم مع السفر ، فيمكنه أن يصوم بلا مشقة تحتاج إلى الرخصة ، قرّر أن الأفضل لمثل هذا المسافر الصوم لا الفطر، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية واستدلوا بقوله تعالى: ((وأن تصوموا خير لكم )) ، وبقوله صلى الله عليه وسلم: ( إنّ أفطرت فهو رخصة ، وإنْ صمت فهو أفضل )(1).
[2] ومن نظر إلى مقصود الشارع في التخفيف والتيسير في أحكام الصيام ، ووجود الحكمة البالغة ـ بلا شك ـ في تعليق الرخصة بالسفر دون تقييد بمشقة أو عدمها، قرّر أن الأفضل للمسافر الفطر لا الصوم، وهو مذهب الحنابلة وابن الماجشون من المالكية واختاره ابن تيمية، ومحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما .
[3] ومن نظر إلى خفاء الحكمة وظهور الرخصة ، قرّر أن الأفضل هو الأيسر والأسهل عليه ، فإن كان الفطر أسهل عليه مع القضاء ، كان الفطر له أفضل ، وإنْ كان الصوم أسهل عنده من القضاء كان أفضل، وقد جعلوا ـ والله أعلم ـ ذكر إرادة التيسير عقب الترخيص للمريض والمسافر سبباً للرخصة وعلة لها ، فما وافق التيسير كان أولى ، وهو قول مجاهد وعمر بن عبد العزيز ورجّحه ابن المنذر ونسبه القرطبي إلى جلّ مذهب مالك.(2).
وهو الراجح :
أولاً: لأن الشارع قصد إلى التيسير على الصائمين فرخّص لهم في الفطر بسبب السفر، كما رخّص لهم بسبب المرض ، وقد يكون على كثيرين القضاء بعد رمضان أشق عليه من الفطر في السفر ، خاصة سفر بطائرة أو باخرة ، أو بص مكيّف مريح ، وهذا هو المقصود بالرخصة (مراعاة التيسير ) فما كان أيسر كان أفضل ، ومن تلا الآية بتدبّر انشرح صدره لهذا الرأي وقد قال تعالى: (( ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من
أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكبروا الله على ماهداكم ولعلكم تشكرون )) [ البقرة : 184 ]وهو تعقيب يدلّ على المراد بوضوح.
ثانياً : كانت السنة الجارية في أسفار النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنه أنهم كانوا لا ينكرون على من صام فيها ولا على من أفطر فيها ، فدلّ أن المقياس شخصيٌّ ، ولا يكون إلاّ تقدير الأيسر له والأسهل عليه .

  • قال ابن عباس رضي الله عنهما : " صام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر
    ـ أي في أسفار رمضان ـ من شاء صام ومن شاء أفطر " .
  • وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: " غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لست عشرة مضت من رمضان ، فمنّا من صام ، ومنّا من أفطر ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم ".. وفي رواية: كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ، فما يعاب على الصائم صومه ، ولا على المفطر إفطاره " .. وفي رواية : " يرون أنّ من وجد قوة فصام ، فإن ذلك حسن ، ويرون أنّ من وجد ضعفاً فأفطر ، فإن ذلك حسنٌ ".
  • وقال أنس رضي الله عنه ، وقد سئل عن صوم رمضان في السفر فقال: "سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم " .
  • وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه : " سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيصوم الصائم ويفطر المفطر ، فلا يعيب بعضهم على بعض " (3).

ثالثاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم خيّر المسافر بين الصوم والفطر ، والتخيير يجعل المقياس في المخيّر شخصياً ، ويكون هو الأيسر، ويستبعد أن يختار شخصٌ غير الأيسر وقد خُيِّر بين أمرين ، وكان رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم إذا خيِّر بين أمرين اختار أيسرهما إنْ لم يكن إثماً ، كما صحّ عنه صلى الله عليه وسلم. وكذلك كل عاقل يفعل . وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت : " سأل حمزة ابن عمرو الأسلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصيام في السفر فقال : ( إنْ شئت فصم ، وإنْ شئت فأفطر )(4).
هذا وقد شذّ الظاهرية فأوجبوا الأخذ بالرخصة وذهبوا إلى تحريم الصوم في السفر(5) أخذاً بظاهر حديث (ليس البر أن تصوموا في السفر) وحديث (أولئك العصاة)(6). ولا يصلح أحدهما في تحريم الصوم في السفر، لأنهما خاصّان بحالة من شقّ عليه الصوم ، وكره الرخصة . أما حديث (ليس البر أن تصوموا في السفر) قاله صلى الله عليه وسلم حينما رأى رجلاً قد اجتمع الناس عليه وقد ظلل عليه ، فقال : ( ماله ؟ ) قالوا : رجل صائم . فقال: ( ليس البر أن تصوموا في السفر ) .. وأما حديث ( أولئك العصاة ) إنما قاله صلى الله عليه وسلم حينما شقّ الصوم على الناس وقيل له : إنّ الناس قد شقّ عليهم الصيام ، وإنما ينظرون فيما فعلت ، فدعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب ، فقيل له : إن بعض الناس قد صام . فقال ( أولئك العصاة أولئك العصاة ) كما في صحيح مسلم . وواضح جداً أن هؤلاء العصاة رفضوا رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرهوا فعله وأصروا على الصوم مع ما يشقّ عليهم ، فكانوا فعلاً عصاة .
لذلك الراجح : التخيير للمسافر إنْ شاء أفطر وإنْ شاء أمسك وصام ، بما يراه هو أيسر عليه وأسهل له . .. والله تعالى أعلم ..


(1 ) أخرجه البيهقي في الصيام 4/245 وقال حديث منكر ، وأن الصحيح أنه موقوف على أنس رضي الله عنه .

(2 ) يراجع الأقوال والمذاهب في : المجموع شرح المهذب 6/266-267 ، تفسير القرطبي ، 2/261-262، بداية المجتهد 2/167-168 ، مجموع الفتاوى 25/213-214 .

(3 ) كلها في أخرجها مسلم في صحيحه كتاب الصيام باب جواز الصوم والفطر في رمضان للمسافر في غير معصية ، ج7/229 ـ 236 بشرح النووي .

(4 ) صحيح مسلم كتاب الصيام برقم 2620، 2621، 2622، ج7 ص 237 بشرح النووي.

(5 ) المحلى لابن حزم ، 4/395 وما بعدها .

( 6) حديث ( ليس من البر ) أخرجه مسلم في الصيام برقم 2607 والبخاري في الصوم برقم 1946 ، وأبو داود في الصوم برقم 2407 . وحديث ( أولئك العصاة ) أخرجه أيضاً مسلم في الصيام برقم 2605، والترمذي في الصوم برقم 710 ، والنسائي في الصوم باب ذكر اسم الرجل برقم 2262 .

من يسافر بطائرة من المشرق إلى المغرب

! الســــؤال:
سافرنا من جدة متوجهين إلى السودان ، فأقعلت الطائرة قبيل الإفطار بربع ساعة ، وكنا صائمين ، فلما حان وقت إفطار أهل جدة وجدنا الشمس عالية كأن الوقت نصف النهار، وكلما توجهنا إلى الغرب نجد الشمس عالية لا تغيب، وحان وقت إفطار أهلنا في السودان، ولكن الشمس باقية عالية ،فماذا نصنع؟ هل نمسك حتى تغيب الشمس ولم تغب حتى هبطنا إلى المطار بعد العشاء؟ أم نفطر بمواقيت السودان، البلد الذي نسافر إليه؟ أم بمواعيد جدة، البلد الذي صمنا فيه؟.
! الـجــــــواب:
المعروف أن الطائرات تبعد عن الأرض بآلاف الأقدام مما يجعل الشمس باقية عالية ، ولو سافر هؤلاء إلى أمريكا لقضوا الساعات الطويلة وقرص الشمس يتبعهم ولا يفارقهم، لذلك الصحيح أن في المسألة ثلاثة أحوال :
الأول : إذا بدأ سفرهم قبل الزوال ، ولن يدركوا الإفطار في البلد الذي يتوجهون إليه ـ كمن سافر من السودان إلى أندونيسيا مثلاً ـ فهؤلاء  يفطرون على مواعيد البلد الذي يتوجهون إليه ، لا البلد الذي سافروا منه .
الثاني : أنهم إذا بدأ سفرهم بعد الزوال أو قرب الإفطار ـ كحال السائلين ـ ولن يدركوا الإفطار في البلد الذي يتوجهون إليه ؛ أفطروا على مواقيت البلد الذي سافروا منه.
والثالث : أنهم إذا سافروا في أي وقت من نهار إلى بلد بعيد ـ كمن سافر إلى أمريكا ـ يفطر على مواعيد البلد الذي يحلّق فوق أرضه ، فمن كان على أجواء تونس أفطر معهم ، ومن كان على أجواء الجزائر أفطر معهم ، ومن كان على أجواء إيطاليا أفطر مع المسلمين فيهم ، وهكذا .. والله تعالى أعلم ..

الفطر للمجاهدين

! الســــؤال:
هل يجوز الفطر للمجاهدين وإنْ لم يكونوا على سفر ؟
! الـجــــــواب:
رمضان والجهاد متوافقان ، فرمضان هو السيف على رقبة الشهوة الجانحة ، وفاتح ألطاف القلوب للتقوى في المؤمن، والجهاد هو السيف على رقبة الطغاة المجرمين الذي يصدون عن سبيل الله الدعوة والدعاة، وفاتح أطراف الأرض والبلاد لتمكين دين الله ، لذلك توافقت الفتوحات العظيمة مع أيام رمضان ، والانتصارات العظيمة مع بركات الصيام. وهذا حديث يلطف ويلذ ويطيب كلما كثر وتواصل، وليس هذا مقامه.
والمجاهد في رمضان يقارن سبعين مجاهداً ، إذ كل فريضة في رمضان ترتفع إلى قدر سبعين فريضة ، ويعدل إنْ أخلص القائم الذي لا يفتر والصائم الذي لا يفطر ، وعمله أنفع للأمة من عمل الصائم الفرد من غير المجاهدين ، ولذلك ينظر في أمر فطرهم وصومهم بالمقارنة والموازنة مع السنن الواردة المرويّة .
فالمجاهد لا يتحقق جهاده إلاّ إذا قوي على العدو ، والصوم يجهده ويتعبه فيأخذ قوته ، فيكون بين أمرين : إما أن يفطر ويجاهد ، وإما أن يصوم ويقعد عن الجهاد ، ولا شكّ أن كل فقيه عالم سيفتي بتقديم الجهاد على الصيام في حق المجاهد ، خاصة وأنّ النبي صلى الله عليه وسلم صرّح بتقديم قوة المجاهد على صيامه فقال : ( إنكم مصبّحوا عدوّكم ، والفطر أقوى لكم فافطروا).. ولما دنوا من عدوهم قال للصحابة رضوان الله عليهم:( إنكم قد دنوتم من عدوّكم، والفطر أقوى لكم). وهذا بأكمله في صحيح مسلم ومسند أحمد وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم أن الحديث الأول دالٌّ على الوجوب كما يقول الراوي أبو سعيد الخدري رضي الله عنهما. قال قزعة : ( أتيت أبا سعيد وهو مكثور عليه فلما تفرق الناس عنه قلت إني لا أسألك عما سألك هؤلاء أسألك عن الصوم في السفر فقال سافرنا مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  إلى مكة ونحن صيام فنزلنا منزلا فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فكانت رخصة منا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلاً آخر فقال: إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا فكانت عزمة فأفطرنا ثم قال لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بعد ذلك في السفر

والمجاهد إذا قارناه بالمسافر ، فالمصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم من المصلحة الحاصلة بالفطر للمسافر، لأن المسافر مصلحته بالفطر تعود إليه وحده، والمجاهد مصلحته بالفطر تعود لأمته وبلده ودينه، فلو رخّص الشارع للمسافر الفطر، فمن باب أولى الترخيص للمجاهد، لأنّ نفعه أعظم وأشمل .

وبالنظر من ناحية أخرى نجد : أن المشقة الحاصلة للمجاهد بالصوم مع الجهاد والرباط ، أشدّ وأزيد من المشقة الحاصلة للمسافر أو المريض، فكان أولى بالتيسير والتخفيف . وهكذا .
وعليه : فالمجاهد وإنْ لم يكن مسافراً ، يجوز له الفطر في حالة المرابطة من غير مواجهة .
أمّا إذا كان وقت المواجهة والملاقاة والمقاتلة فالفطر عندئذ يكون واجباً إذا علم أو غلب على ظنه أن الصيام سيجهده عن القتال، وفي هذه الحالة يُحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: ( إنّه يوم قتال فأفطروا ) وهو أمر يقتضي الوجوب بظاهره وبقرينته ، والقرينة هنا أنه صار قتالاً واجباً وجوباً عينياً تُرك من أجله واجب عيني ـ هو الصيام ـ(1).
.. والله تعالى أعلم ..


(2 ) ينظر في المسألة: زاد المعاد لابن القيم ، 2/53-54، فقه الصيام للقرضاوي ، ص 63-64.
السفر المبيح للفطر

! الســــؤال:
ما هو السفر الذي يباح للمسافر أن يفطر فيه ؟
! الـجــــــواب:
أجمع المسلمون على إباحة الفطر للمسافر في الجملة لقوله تعالى: ((فمن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ))[ البقرة: 184].
ولكن ليس كل سفر يباح فيه الفطر ويرخّص للصائمين أن يفطروا، هذا السفر اشترط العلماء فيه شرطين هما :
الأول : أن يكون السفر مما يجوز فيه القصر على رأي الجمهور. وهو السفر الذي يصحّ أنْ يطلق عليه اسم سفر . أما مسافة السفر المجوّز للقصر فليست منضبطة ، فلا تضبط بأيام ولا بأميال ، لأنّ ما روي عن سلفنا الصالح رضوان الله عليهم كله لم يضبط مسافة معينة ، حتى المرويّ عن واحد نجده يقصر في مسافات مختلفة .. مثلاً ابن عمر رضي الله عنهما، روي عنه أنه قصر في مسافة ستة وتسعين ميلاً ، وفي مسافة اثنين وسبعين ميلاً ، وروي عنه لا يكون الفطر إلاّ في ثلاثة أيام ، وروي : لا يكون القصر إلاّ في اليوم التام، وروي عنه القصر في ثلاثين ميلاً ، وفي ثمانية عشر ميلاً ، وفي سفر ساعة ، وفي ميل واحد ، وفي سفر ثلاثة أميال وقريب من هذا روي عن ابن عباس وعن عمر وغيرهما .. (1).
ولهذا فالصحيح أن يكون ضابط السفر المبيح للفطر والقصر ما يصحّ أن يطلق عليه اسم سفر .
الشرط الثاني : أن يكون سفر طاعة لا سفر معصية ، لأنّ سفر المعصية لا يسمح فيه بالرخص ، والقاعدة الفقهية : [ الرخص لا تناط بالمعاصي ] فالشرط في السفر المبيح للفطر أن يكون سفراً مباحاً لا سفراً محرّماً ، وكل سفر اتُخذ سبباً لارتكاب المعاصي ، كمن يسافر ليقطع الطريق ، أو يسافر ليبغي على حاكم مسلم مستحق للطاعة ، أو يسافر ليسرق ، أو يسافر ليزنِي ، أو نحو ذلك .
فهذه الأسفار لا تبيح الأخذ برخصة الفطر في السفر ، وهذا ما رجّحه ابن عطية والقرطبي والقرافي من المالكية وهو مذهب الشافعية وغيرهم (2) .. والله تعالى أعلم ..


(1 ) انظر : المحلّى لابن حزم ، 4/385 ـ 387 ،  سنن البيهقي 3/137 ، والمصنف لابن أبي شيبة 3/20.

( 2) انظر : الفروق للقرافي ، 2/33 ـ 34 ، الأشباه والنظائر للسيوطي ، ص 138 ـ 140 ، تفسير القرطبي ، ج2 ص 258 ، المجموع للنووي 6/264 .

جميع الحقووق محفوظة لموقع الأستاذ الدكتور عبد الله الزبير © 1432هــ
تم التصميم بواسطة: التميز للتصميم والإبداع الفني