|
مقالات
وبحوث
الوَسَطيَّـة مفهومها ومحققاتها
فهذه سطور صيغت على رجاء من رب العزة تبارك وتعالى أن ينفع بها
الأمة ويحرس بها الملّة ويسهم في تصويب المسار وإنارة طريق
وإبانة السبيل ، للدعاة المستنيرين، والعلماء النيّرين ،
وجماهير المسلمين المبتغين علو كلمة الحق والدين، المتطلعين
لعودة الشرع وهدي سيد المرسلين .
فأردت أن تكون ورقة في بيان حقيقة الوسطية وسبل تحقيقها وعوامل
التحقق بها ، وشائبات الاستقامة عليها من المخفقات والمفسدات.
ومن ثمّ الإشارة إلى متطلبات الوسطية ومقتضياتها في إدارة
الصحوة وتصويب مسار الدعوة .
وأرجو أنْ أنبّه الإخوة الكرام أنّ الاعتدال المستنير مصطلحه
القرآني البديع هو "الوسطية" لأن الاعتدال لا يتمّ إلاّ
بالتوسط في الشأن كله، والاستنارة لا تكون إلاّ بالوقوف في
ربوة الوسط يرسل المرء منه الأبصار إلى الآفاق وينفذ بالبصائر
في الأنفس، شاهداً على الأمم قيماً على ما يصلح أمر الدعوة
ويفيد، ذلك قول الله تعالى في محكم التنْزيل ) وكذلك جعلناكم
أمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ( ([1]). فنجد أنّ الوسطية
اعتدال مستنير لأنها تقتضي الشهادة على الناس ، والشهادة
تستلزم الحضور والعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله
وصحبه ومن والاه.
مفهوم الوسطية بين التشويه والتنْزيه
من المهمّ تحديد المصطلح الذي يُبحث فيه ويُتكلّم عليه،
حتى يتسنّى للقارئ والسامع فهم ما يقال عنه، وتصوّر ما يراد
منه، والحكم عليه، إذ الحكم على الشئ فرع عن التصوّر ، فإنْ لم
يكن التصور صائباً وكان شائباً؛ كان الحكم عليه عائباً، وإنْ
لم يكن التصور مكتملاً مستوعباً؛ كان الحكم عليه ناقصاً قائماً
على طرف منقوص.
ولذلك كان الكلام على حقيقة المصطلح ومدلوله في أصوله المستقاة
منها مهماً للغاية حتى يكتمل التصوّر ويصدق الحكم. ولقد شاب
مصطلح الوسطية نظرات وتصورات متباينة متشاكسة، بين نظرة تضع
الوسطية في ركن قصيّ عن الاهتمام بالدعوة والاعتناء بالأمة،
وبين نظرة تجعلها استواء على أدنى القواسم المشتركة بين كل أمر
وشأن وشئ، وكلا النظرتين أخطأت ولم تصب ، بل شوهت حقيقة
الوسطية
وأساءت إليها ، وأضرت مبتغيها والقاصدين لتحقيقها والتحقق بها.
حقيقة الوسطية والمفهوم الصحيح:
الوسطية من الوسط والتوسط والسطة.
والوسَطَ من كل شئ أعدله قال I ) وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً( أي:
عدلاً خياراً... ووسيط القوم : أوسطهم نسباً وأرفعهم محلاً
([2]).
وهو يأتي بالتحريك والتسكين، فإنْ أتى متحركاً بفتح الواو
والسين، كان صفة واسماً لما بين طرفي الشئ الواحد ودلّ على
الخيار والعدل والفضل، وإنْ أتى بالتسكين كان ظرفاً ودلّ على
البيْن ، فلو قال : وَسَط الشئ بالتحريك كان معناه: أفضل الشئ
وأعدله، ولو قال: جلست وسْط القوم بتسكين السين كان معناه بين
القوم. والوسطية من وَسَطِ التحريك لا من وسْط التسكين، ولهذا
كان وسَط المرعى خيراً من طرفيه، وكان وسَط الدابّة للركوب
خيراً من طرفيها لتمكّن الراكب، ويقولون: واسطة القلادة: أي
الدرة أو الجوهرة التي في وسطها وهي أنفس خرزها وأجودها ([3]).
المفهوم الشرعي للوسطية:
جاء في الكتاب العزيز قول المولى عز وجل ) وكذلك
جعلناكم أمّة وسطاً( وفي معناه:
ـ قال الزجاج : فيه قولان: قال بعضهم وسطاً عدلاً، وقال بعضهم:
خياراً، واللفظان مختلفان والمعنى واحد ، لأن العدل خير والخير
عدل ([4]).
ـ وقال القرطبي : " أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم"
([5]).
ـ وقال الشوكاني مثل قول القرطبي ([6]).
ـ وقال ابن جزي الكلبي : " وسطاً أي خياراً " ([7]).
ـ وقال ابن العربي : " الوسط الخيار وهو العدل.. قال: وليس
للوسط الذي هو بمعنى ملتقى الطرفين ههنا دخول، لأنّ هذه الأمة
آخر الأمم، وإنما أراد به الخيار العدل" ([8]).
ـ وقال الشيخ الصابوني :" كذلك جعلناكم يا معشر المؤمنين أمة
عدولاً خيارا ً" ([9]).
فكأنّ أهل التفسير يكادون يجمعون على أنّ الوسطية لا يخرج
معناها عن الأخذ بالأخير والأعدل والأفضل في كل ما يراد أخذه
أو قوله أو العمل به.
أمّا في الأحاديث والآثار فنجد ذات المعنى للوسطية وذات
المفهوم الشرعي الذي يجعل الوسطية خيار الأمور وأعدل السلوك
وأفضل المواقف .
ـ فقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في
درجات المجاهدين في سبيل الله وطلب الجنة : (.. فإذا سألتم
الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ..) الحديث
([10]).
قال الحافظ ابن حجر في شرحه: " المراد بالوسط هنا الأعدل
والأفضل.. فعطف الأعلى عليه للتأكيد" ([11]).
وقال ابن حبان : " المراد بالأوسط السعة ، وبالأعلى الفوقية"
([12]).
ـ وجاء في قول أبي بكر رضي الله عنه عن قريش : " هم أوسط العرب
داراً وأعربهم أحساباً " ([13]). أي أشرف العرب داراً وأرفعهم
نسباً، وأجلهم مكاناً في قلوب العرب .
ـ وجاء في مسند الإمام أحمد رحمه الله قول النبي صلى
الله عليه وسلم : " إن أوسط عرى الإيمان أنْ تحب في الله وتبغض
في الله " ([14]). دالاً على خير الأمور وأفضلها وأعدلها.
ـ وحتى بالصيغ الأخرى مثل السِّطة؛ قام نفس المعنى، كما في
حديث شهود النساء العيدين مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم فوعظهن فقال: ( تصدقنَّ، فإنّ أكثركنّ حطب جهنّم )
فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدِّين.. " الحديث ([15]).
وفي معنى سِطة النساء قال القاضي عياض: "معناه: من خيارهن"([16]).
فنعلم أن الوسطية خير الشعائر والشرائع، وأفضل الأمور وأعلا
الشؤون.
ومن هنا نستطيع أن نحدّد مفهوم الوسطية بكل اطمئنان لنقول إنها
تعني :" الأخذ بخيار الأمور وأعدلها وأفضلها في كل ما يراد
أخذه أو قوله أو العمل به، من شرائع الدين وشعائره ومواقف فئات
الناس وسلوكهم في العاديات والعبادات ".
تنزيه الوسطية من تشويه حقيقتها:
لقد بادر إلى أذهان كثير من الناس ـ وللأسف الشديد من بعض
المسلمين ـ أنّ الوسطية حين تطلق أنها تعني ما يكون بين أمرين
متضادين متناقضين منفصلاً عنهما.
فظنوا أنّ الوسطية هي أن يكون المتصف بالوسطية بين الحق
والباطل. أو أن يكون صاحب الوسطية بين الخير والشر، أو أنْ
يكون الموصوف بها متذبذباً بين بين ، لا إلى هذا ولا إلى هذا ،
لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، في حياد تام، وانقطاع كلّي عن
الأطراف الفاعلة من حوله ، وهجر بيّن للاتجاهات المؤثرة في
توجيه الحياة الدنيا، لا شأن له بشيء من ذلك كله إلاّ التفرّج
أو التغاضي أو التجاهل، أو القبول لما يكون من سكوت .
ليست الوسطية في شئ من ذلك، بل هذا تشويهٌ لحقيقة الوسطية وقتلٌ
لمعانيها السامية، ومراميها السامقة، وحقيقتها السَّنية.
إنّ الوسطية لا تعني الحياد بين شيئين ، أو الجلوس بين فئتين،
أو التحقق بأدنى المطلوبين، أو التلبّس بأقرب الحالين، أو
الأخذ بذيل الطرفين.
$ لا يمكن أنْ يكون المراد بالوسطية الأخذ بطرفي الإيمان
والكفر ، يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، فإنّ من كان حاله ذلك
مذموم في كتاب الله منعي عليه من رب العزة، مقطوع بوقوعه في
خزي الدنيا وعذاب الآخرة فقال جلّ شأنه ) أفتؤمنون ببعض الكتاب
وتكفرون ببعض؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلاّ خزيٌ في الحياة
الدنيا ويوم القيامة يردّون إلى أشدّ العذاب وما الله بغافل
عمّا تعملون . أولئك الذين اشتروا الحياة بالدنيا بالآخرة فلا
يخفف عنهم العذاب ولا هم يُنصرون ( ([17]).
$ ولا يمكن أن يعني مفهوم الوسطية الحياد والانقطاع لا انتماء
له ولا ولاء لأحد أو جماعة أو فئة أو فكر أو دعوة، يجلس بعيداً
عن الجميع غير مكترث بما يقع على إخوانه المسلمين، ولا مبالٍ
بما ينال أمته من نكال أو قتال، ولا مهتمّ بأمرهم، ولا مشتغل
بدعوة ولا غزوة، فهذا ليس من الوسطية في شئ، وإنما هو السلبية
لا الوسطية ، إنه الحياد المذموم والتذبذب الممقوت من جنس الذي
ذمّ عليه الله المنافقين الذين استكملوا النفاق أو أخذوا بطرفه
) مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ومن يضلل الله
فلن تجد له سبيلاً ( ([18]).فهو إذنْ ضلال عن سواء السبيل ،
والوسطية هداية وتمكّن في سواء السبيل .
$ ولا يمكن أن تكون الوسطية أمراً قد رُكِّب من الحق والباطل،
لأنّها أعدل الأمور، والباطل لا عدل فيه، بل الباطل في حكم
الإسلام يجب دمغه وإزهاقه بكل سبيل، والله يحكم ولا معقّب
لحكمه ) بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق (
([19]). وقرر القرآن حقيقة الباطل وأنه زهوق وصدق الله ) وقل
جاء الحقّ وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقاً ( ([20])فلا
ارتباط للوسطية بالباطل ألبتة ، بل الوسطية وسطية حق لا باطل
فيها.
$ ولا يمكن أن يكون مدلول الوسطية مشتملاً لطرفٍ من بقايا
الخير والشر، فإنّ الشرّ ليس إليها، إذ الشرّ مقصود الشرع فيه
دفعه وإزالته، وعمل الدعاة فيه درؤه وإبادته، وعلى أسوء الفروض
تقليله، وفوق ذلك فإنّ الوسطية هي خير الأمور، فشرّ الأمور لا
مكان له في مفهوم الوسطية، لا سيما وأنّ العلماء قد أجمعوا على
أنّ شريعة الإسلام ما جاءت إلاّ لجلب الخير والمصلحة ولدرء
الشر والمفسدة.
فالوسطية ـ إذنْ ـ هي وسطية الحق ، ووسطية الخير، ووسطية
الانتماء، ووسطية التعاون على البر والتقوى، ووسطية الإيمان..
هي وسطية هدى لا هوى.. وسطية تتخيّر الحق لا تختار الباطل..
وسطية ثبات لا زيغ معه.. وسطية إيمان لا نفاق معه.. وسطية
بينات لا شبهة فيها.. وسطية استواء على الطريق لا انكباب عن
سواء السبيل.. وسطية استقامة لا تخبط معها.. هي بإجمال:
(( وسطية إيجابية تجمع خيار الأمور، وتحقق أعدل الشؤون، وتتربع
على أفضل الخيارات وأعلاها )).
من مـحقـقــات الوسطيـــــة
مما يجب تقريره : أنّ الإسلام يقيم أمره كلّه على الوسطية ،
دعوة، وحكماً، وتشريعاً، وتعليماً، ومواجهة، ومجاهدة، ومحاورة،
ومجادلة، ومجالدة، في كل شأن من شؤونه يدعو إلى أنْ لا يكون
إلاّ على وسطية.
ولذلك؛ حرص على الدعوة إلى الوسطية بنصوصه في الكتاب والسنة
وبأحواله في أفعال رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم
والدعاة المخلصين من أصحابه وأتباعه في سائر الأجيال
والأعصار .
فنجد أنّه يدعو إلى تحقيق الوسطية بأمور، كما نجده يدعو إلى
تحقيقه بدفع نواقضها ودرء مفسداتها ومخفقاتها ، فوجدنا أنّ
محققات الوسطية خمسة، هي: التسديد، والقصد، والتيسير والمقاربة
والاعتدال. كما أنّ مفسدات الوسطية ومخفقاتها خمسة ، هي: الغلو
والتطرف والتعصب والتشدد والاضطراب والتذبذب.
وطالما كان قوام دعوة الإسلام وتعاليمه على الوسطية ؛؛ كان لا
بدّ من تحقيق الوسطية من كل جانب وفي كل شأن، غير أنّ تحقيقها
ليس بالأمر السهل الهيّن، بل إنّه لعسير شاق إلاّ من وفّقه
الله تعالى وسدّد عليه خطاه ، وقد قرر ذلك علماء الأمّة وغيرهم.
ـ يقول الغزالي رحمه الله عن معرفة الوسطية بأنها : " من أعقد
الأمور وأعصاها " ([21]).
ـ ويقول أرسطو عن ذلك:"إنّ إدراك الوسط في كل شئ أمر صعب جداً"([22]).
وعلى ذلك يتطلب تحقيق الوسطية اجتهاداً كبيراً وبذلاً للطاقة
على أقصاها من غير تقتير .
ومحققات الوسطية لا تخرج في الغالب عن تلك الأمور الخمسة التي
نبّهنا عليها في توطئة هذا المبحث ، وقد يكون تحقيق الوسطية
واستكمال مطلوباتها بمحقق واحد من المحققات الخمسة، وقد يحتاج
تحقيقها إلى جميع المحققات بحيث تتكامل في إرساء قواعدها
واجتناء آثارها وثمارها، ولا بأس من الإشارة إلى محققات
الوسطية .
1ـ التســــديـــد:
من أعظم المحقِّقات للوسطية التسديد، إذ هو الاستقامة على
المنهاج السوّي والتوفيق إلى أسدّ الأمور وأرشدها وإصابة
أصلحها وأوثقها في القول والعمل ([23])، وخير الأمور أوساطها
([24]) ، فظهر أنّ خير الأمور تحقيقه بالتسديد، وتحقيق الوسطية
مضمون لو اعتُمِد التسديد، لأنّ مقتضاه استكمال مطلوب الامتثال.
لذلك كان التسديد هو دعوة القرآن ، وهو دعوة السنّة،.
فالله عزّ وجلّ يدعو إلى تسديد القول والاعتقاد والظنّ به
سبحانه عند تغيّر الأحوال ووقوع البلاء توفيقاً إلى أسدّ
المواقف ، وأرشد التصرفات وأحكمها ، فيقول سبحانه: ) وليخش
الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم ، فليتقوا
الله وليقولوا قولاً سديداً ( ([25]) أي قولاً عدلاً صواباً
([26]) ، مبنياً على صحيح الاعتقاد بالله وأنه الرزاق ذو القوة
المتين، وأنّه خالق ذريته والقادر على رعايتهم بأفضل منه وأعدل.
وفي سورة الأحزاب ينبّه رب العزة إلى أن التسديد هو مصلح
الأعمال والأحوال، مقيم العدل والصواب ، فيأمر المؤمنين به
تحقيقاً لوسطيتهم ) يآأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً
سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم( ([27]).
والرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إلى التسديد في
العبادات والعادات وجميع التصرفات:
ـ ففي شأن ابتغاء الجنة والسعي لها بالأعمال يأمر المصطفى
صلى الله عليه وسلم بالتسديد فيقول : ( لن ينجي أحداً
منكم عمله) قال رجل: ولا إياك يا رسول الله؟ قال:(ولا إياي ،
إلاّ أن يتغمدني الله منه برحمة ، ولكن سدّدوا) ([28]).
ـ وعندما يشعر النبي صلى الله عليه وسلم من صحابته
الكرام رضي الله عنهم انشغالاً عن الآخرة واشتغالاً بالدنيا ،
خروجاً عن مقتضى الوسطية والاعتدال ينصح بالتسديد ويأمر به
تحقيقاً لوسطية الأمة في صحابته y . فقد مر رسول الله
صلى الله عليه وسلم على رهط من أصحابه y وهم يضحكون،
فقال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً ) فأتاه
جبريل فقال: ( إنّ الله يقول لك: لم تقنط عبادي؟ فرجع إليهم
فقال: ( سدّدوا وأبشروا ) ([29]).
ـ ولا يزال رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم يدعو إلى
التسديد ويأمر به مرغّباً محبّباً ناصحاً أميناً تحقيقاً
لوسطية الأمة فينادي في أمّته قائلاً : ( سدّدوا وأبشروا ، فإنّ
الله تعالى ليس إلى عذابكم بسريع ) ([30]). وفي حديث أنس رضي
الله عنه يقول نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم : (
ألا أنبئكم بخياركم؟ قالوا: بلى. قال: ( خياركم أطولكم أعماراً
إذا سدّدوا ) ([31]).
2ـ القـصـــــد:
والقصد في أصله: استقامة الطريق وسهولة المسير والتوسط
والاعتدال وضدّ الإفراط ([32])، وهذه المعاني من تحقق بها حقّق
الوسطية بلا امتراء. وقد جاء القصد بهذه المعاني في القرآن
والسنّة .
فجاء في سورة التوبة على معنى القرب والتوسّط، في قوله تعالى )
لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ(
([33]).. ومعنى قاصداً ههنا : قريباً سهلاً غير شاق ، عدلاً
مقتصداً في البعد. قال الشوكاني رحمه الله (( أي سفراً متوسطاً
بين القرب والبعد، وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو
قاصد))اهـ([34]).
وجاء في سورة النحل على معنى الاستقامة ، في قوله تعالى )
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ (
([35]). قال ابن جرير رحمه الله : (( والقصدُ من الطريق:
المستقيمُ الذي لا اعوجاج فيه )) ([36]).
- وجاء في سورة لقمان على معنى الهوْن واليسر والتوسط ، وهو
قوله تعالى ) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ(([37]). والمعنى : لا تدبَّ
دبيب المتماوتين ولا تَثِبْ وثْب الشطار ، ولكن اقصد في مشيك
ما بين الإسراع والبطء([38]).
ـ أما في السنة المطهرة فقد ورد بذات المعاني القرآنية.
ـ فجاء القصد بمعنى الاعتدال كما في الحديث الصحيح : (
وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا ) ([39]). أي : الزموا
التوسط والاعتدال تبلغوا المراد.
ـ وجاء بمعنى نفي الطغيان وخلاف الإفراط حيث كان من دعائه r :
(وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى ) ([40])
والمعنى : أسألك غير الفقر المدقع وغير الغِنَىَ الْمُطْغي .
ففي كل هذه المواضع من نصوص الشرع كان المراد بالقصد والمقصد
إما التوسّط، وإما الاعتدال ، وإما نفي الطغيان وخلاف الإفراط،
وإما القرب والسهولة، وإما اليسر والهوْن والتواضع ، وإما
الاستقامة وبيان الهدى ، وإما طريق الله المستقيم . ولا شكّ أنّ
كلّ ذلك محقّقٌ لوسطية الإسلام على أروع صوره وأبدعها، لأنّ من
مقاصد الوسطية استدامة الطاعة والعبادة ودرء الانقطاع والهجر
وتقليلهما ، والأخذ بالقصد في جميع الأحوال مبلّغ لهذا المقصد
ومحقق له، وكما يقول ابن حزم رحمه الله:"إنه صلى الله
عليه وسلم بعث ميسراً مسهلاً، فأمر أمته بأن يقتصدوا في
الأمور ، لأنّ ذلك يقتضي الاستدامة عادة"([41]).
3ـ التيـســــيـــر:
والتيسير من أوسع أبواب الوسطية يلج منه الجماهير من غير عنت
ولا حرج ولا مشقة ، فلو اعُتمد لتحققت الوسطية يقيناً، ذلك لأنّ
الدعوة ستنطلق على اليسر فيقبلها الناس ، وأصول الدين ستعرض
على يسر، فيفهمها الناس، والعبادات ستكون في يسر فيعبد الله
بلا كسل ولا تراخ ولا تثاقل، والعبّاد سيتخيرون الأيسر فيبقون
عابدين ذاكرين متنسكين، فتكون الأمّة جلّها إنْ لم تكن كلها في
استقامة على الدين واستدامة للتدين.
وكون التيسير محققاً للوسطية أنّ الله تعالى الذي جعل الأمة
المحمدية أمة وسطاً، هو الذي بفضله وكرمه ومنِّه أراد لهم
اليسر ورفع عنهم العسر والحرج، فقال جلّ شأنه ) يريد الله بكم
اليسر ولا يريد بكم العسر ( ([42]). غير أنّ نبي الرحمة
صلى الله عليه وسلم يسعى لتحقيق مراد الله في الأمة
فيأمر بالتيسير وينهى عن التعسير فيقول للدعاة والأئمة والأمة
أجمعين : ( يسّروا ولا تعسّروا ، وسكّنوا ولا تنفّروا )
([43]). ويؤكّد المصطفى الحبيب صلى الله عليه وسلم
أن التيسير خير الدين فيقرر ذلك صريحاً : ( إنّ خير دينكم
أيسره، إنّ خير دينكم أيسره ) ([44]).
ولا شكّ أن التيسير محقق قطعي للوسطية، لأن من مقاصد الوسطية :
استبقاء الاستقامة على دين الله ، ولهذا وضع العلماء باستقراء
الشريعة القواعد الكلية التي تحفظ للأمة استقامتها على صراط
الله ودينه ، فتوصلوا إلى أنّه:
& إذا ضاق الأمر اتسع.
& و أنّ: المشقة تجلب التيسير.
& وأنه: عفي عما عسر.
& وأنّ: الممنوع ممنوح بالضرورة.. وغير ذلك مما نصّوا عليه من
القواعد المقيمة للتيسير ([45]).
كل ذلك حتى لا يحمله حامل المشقة أو الضرورة أو الحاجة أو
الضيق أو العنت أو الحرج، فيميل به عن الوسطية إلى حرف التشدد
أو طرف الترخّص.
4 ـ المقــاربــــــة:
والمقاربة في أصلها من القرب والقراب والتقرب ، وفيها معاني
الحفظ والحماية مع المودة والرغبة ، وبلوغ الغاية ، وتحقيق
المراد ، واختصار الطريق والتصرف بفراسة وتعقل ، وترك الغلو
وقصد السداد ([46]). ولا ريب أنّ الوسطية مفتقرة إلى هذه
المعاني كلها كي تكون .
ولذلك صدر الإرشاد والتوجيه من سيد المرسلين صلى الله
عليه وسلم لأمته بالمقاربة مع السداد في حديث أبي هريرة
رضي الله عنه : ( إنّ الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلاّ غلبه
، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشئ من
الدُّلجة ) ([47]).
ومعنى المقاربة ههنا التوسط من غير إفراط و لا تفريط ـ وكما
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ـ : " لا تُفرطوا فتجهدوا أنفسكم
في العبادة لئلا يفضي بكم ذل إلى الملال فتتركوا العمل
فتُفَرِّطوا " ([48]).
فكان معنى المقاربة المحققة للوسطية: التصميم على قصد السداد
وإصابة الغرض، والاجتهاد في الطاعة وبلوغ الغاية في الامتثال،
فإن أصابه القصور من غير تقصير، فلا يبتئس ولا يعجز عن التصميم
على قصد السداد، فذلك المقاربة.
فإنّ المرء مهما أُعطي قوة وطاقة لا يقدر على استيعاب أعمال
البر كلها ، ولا فعل جميع المطلوب، وهو معنى قوله تعالى ) علم
أن لن تحصوه فتاب عليكم ( ([49]). ولذلك كانت المقاربة ضرورية
في العمل والطاعة وكذلك في التبليغ والدعوة .
5ـ الاعــتـــــــدال:
الاعتدال هو " توسط حالٍ بين حالين في كم أو كيف " كما قال
الفيروزابادي ([50])، أو هو " الاستقامة والميل إلى الحق . أو:
التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط" كما جاء في التعريفات([51]).
ولا يشكّ من رُزق قسطاً من العلم أنّ الوسطية تتحقق على
اطمئنان بالاعتدال، بل إنّ الاعتدال هو عين الوسطية ، لأنه
التوسط بين طرفي الإفراد والتفريط، ولأنه الميل إلى الحق،
ومطلوب الوسطية الاستقامة على الحق والميل إليه على الدوام
والسعي إلى إحقاقه بجميع السبل والوسائل.
غير أنّ الاعتدال فيه معنىً مهمٌ جداً ، هو : أن المعتدل هو
المتمكن من المقام أو المسير لا يميل ولا يزيغ.
هذا المعنى يقتضي الاستمساك بعرى الدين وثوابته وبيناته لا
انفصام لها، الاعتدال في حقيقته هو: إقامة الدين على ركني
الثوابت والبيّنات.
إقامة الدين على الثوابت التي لا تقبل التحريك ولا التنازل ولا
التقديم والتأخير بل ولا التأجيل بَلْهَ التعطيل، من توحيد
الله ، وتحكيم شرعه ، وإقامة عدله بين الناس، واتباع رسوله صلى
الله عليه وسلم وتقديم هديه، وموالاة المسلمين وتحقيق
وحدتهم والتحقق بأخوتهم ونصرتهم في الدين..
وإقامة الدين على البيّنات التي لا تقبل التأويل ولا التخصيص
ولا التقييد ، البيّنات التي ليس فيها مدخل للآراء، وليس من
طبيعتها الاحتمال لدخول وجهات النظر ، وليس من أوصافها التفاوت
والتباين لتتفاوت الأفهام وتتباين الأحكام ، بيّنات لا تباينات
، قطعيات لا ظنيات. وهي والله كافية على اعتدال المسير إلى
الله تعالى وفي صحبة فئات الناس مسلمين وغير مسلمين.
ولا يمنع الاستقامة على الثوابت والبيّنات وجود ما يقبل
التجزييء والتطوير من غير الثوابت مما تحكمها المصلحة الشرعية
وتقبلها الأدلة الشرعية، من الوسائل، والمواقف، والإجراءات،
والسياسات، بما لا ينقض ثابتة من الثوابت ولا بيّنة من النصّ.
وبهذا يقدر الدعاة والعاملون على ضبط المسير فوق متْن الوسطية
متمكنين مطمئنين لبلوغ الغاية الدعوية لأنهم استووا في اعتدال
على الصراط ولم يكبوا على وجوههم وصدق الله ) أَفَمَن يَمْشي
مُكِبَّاً على وجهِهِ أهْدَىَ أمَّن يمشي سويَّاً علَىَ صِراطٍ
مستقيم ( ([52]).
هذه هي محميات ومحققات الوسطية ، بإقامتها نحقق الوسطية ،
وبإهمالها والتساهل في تحصيلها نضيّع الوسطية، ولكن واجب الأمة
بمجموعها وبأفرادها إقامة شأنهم كلِّه على الوسطية ، فكان
واجباً عليهم إقامة هذه المحققات الخمسة لواجب تحقيق الوسطية.
------------------------------------
([1]) سورة البقرة ، 143 .
([2]) القاموس المحيط ، للفيروزابادي ، ص 894 ، باب الطاء فصل
الواو . لسان العرب لابن منظور ج7 ص 429ـ431.
([3]) يراجع : لسان العرب ، ج7 ص 429 ـ 432.
([4]) لسان العرب ، ج7 ص 430 .
([5]) تفسير القرطبي ، م1 ج2 ص 143.
([6]) فتح القدير للشوكاني ، ج1 ص 150 .
([7]) التسهيل لعلوم التنْزيل ، لابن جزي الكلبي ، ج1 ص 62 .
([8]) أحكام القرآن لابن العربي ، ج1 ص 40 .
([9]) صفوة التفاسير لمحمد علي الصابوني ، ج1 ص 87 .
([10]) البخاري كتاب الجهاد باب درجات المجاهدين في سبيل الله،
برقم 2790، ج6 ص 14، بفتح الباري .
([11]) فتح الباري ، ج6 ص 15 .
([12]) الفتح نفسه .
([13]) البخاري كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم :
( لو كنت متخذاً خليلاً ) برقم 3668 ، ج7 ص 24 .
([14]) مسند أحمد ج4 ص 286 .
([15]) أخرجه مسلم في العيدين حديث رقم 2045-4/5 عن جابر بن
عبد الله، ج6 ص 414ـ415 بشرح النووي. والنسائي في العيدين أيضاً
باب قيام الإمام في الخطبة متوكئاً على إنسان، برقم 1574 .
([16]) شرح النووي لصحيح مسلم ، ج6 ص 415 .
([17]) سورة البقرة ، 85 ـ 86 .
([18]) سورة النساء ، 143 .
([19]) سورة الأنبياء ، 18 .
([20]) سورة الإسراء ، 81 .
([21]) ميزان العمل ، ص 273، نقله عنه عبد الرحمن اللويحق في:
الغلو في الدين ، ص 31 .
([22]) الغلو في الدين نفسه عن الأخلاق والفضائل الخلقية د.
أحمد إبراهيم ص 273.
([23]) التسديد في اللغة من سدّد يسدد تسديداً بالتشديد وهو
التوفيق إلى الصواب من القول والعمل ، وسدّ الثلمة أصلحها
ووثَّقها ، واستدّ : استقام ، والسدد الاستقامة ، راجع:
القاموس المحيط للفيروزابادي ، ص 367 .
([24]) حديث أخرجه البيهقي في السنن ج3 ص 273 ، برقم 5897 ،
وفي شعب الإيمان ج5 ص 169، والديلمي في القردوس بمأثور الخطاب
، ج2 ص 273 وقال البيهقي مرسل ومنقطع . ولكن تلقته الأمة
بالقبول ، وهو في معناه صحيح ، ثم إنّ أسانيدها متعددة فيصلح
للقبول مع انقطاعه أو إرساله.
([25]) سورة النساء ، 9 .
([26]) راجع: تفسير القرطبي ، م3ج5 ص 47 .
([27]) سورة الأحزاب ، 70 .
([28]) أخرجه مسلم برقم 2816 باب لن يدخل أحد الجنة عمله ، ج4
ص 2169 . وصحيح ابن حبان ج2 ص 60 ، باب ذكر الأمر بالتشديد في
الأمور برقم 348 .
([29]) موارد الظمآن ، لأبي الحسن الهيثمي ، برقم 2491، ج1 ص
616 . دار الكتب العلمية بدون.
([30]) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/63 ):"رواه الطبراني في
الكبير وفيه بقية ولكنه صرح بالتحديث اهـ
([31]) عزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (10/203 ) إلى أبي يعلى ،
وقال : وإسناده حسن.
([32]) راجع: القاموس المحيط ، ص 396 ـ 397 .
([33]) سورة التوبة ، 42 .
([34]) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم
التفسير ، لمحمد علي الشوكاني ، ج2 ص 414 ، ويراجع : لسان
العرب ، ج3 ص 353 ،
([35]) سورة النحل ، 9 .
([36]) تفسير ابن جرير الطبري ، م 8 ج ص 83 . تفسير القرطبي ،
م5 ج10 ص 75 ، تفسير ابن كثير ، ج2 ص 544 ، وتفسير الشوكاني ،
ج3 ص 181 .
([37]) سورة لقمان ، 19 .
([38]) انظر : تفسير القرطبي ، م7 ج14 ص 66 .
([39]) أخرجه البخاري كتاب الرقاق حديث رقم 6098 ، وأحمد في
مسنده ، باقي مسند المكثرين برقم 10261 وبرقم 10517.
([40]) أخرجه النسائي ، كتاب السهو ، حديث رقم 1305 .
([41]) فتح الباري ، ج11 ص 300 ، دار المعرفة .
([42]) سورة البقرة ، 185 .
([43]) أخرجه البخاري كتاب الأدب باب قول النبي صلى الله
عليه وسلم يسروا ولا تعسروا، برقم 6125 ، ج10 ص 541 بفتح
الباري .
([44]) أخرجه الإمام أحمد ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد(
3/308) : "رجاله رجال الصحيح خلا رجاء وقد وثقه ابن حبان ".
([45]) وغير ذلك من القواعد ، وراجعها بتوسع في الأشباه
والنظائر لابن نجيم، والأشباه والنظائر للسيوطي ، والقاعدة
الأخيرة من صياغة الكاتب وعبارتها في كتب القواعد قاعدة : (
الضرورات تبيح المحظورات) .
([46]) فالقارب السفينة وبها النجاةوفيها الحفظ وبها السلامة،
والقربى تستحق المودة ، والقُراب بضم القاف الفراسة، والقراب
بكسر القاف قراب السيف، والمقاربة ترك الغلو وقصد السداد ،
راجع : القاموس المحيط ، ص 157 ـ 159 .
([47]) أخرجه البخاري برقم 39 ، ج1 ص 23 .ومسلم برقم 2818 ، ج4
ص 2171 .
([48]) فتح الباري ، ج11 ص 297 ، دار المعرفة طبعة 1379هـ .
([49]) سورة المزمل، 20 . ويراجع هذا المعنى في: شرح الزرقاني
للموطأ ، ج1 ص 110 .
([50]) القاموس المحيط ، ص 1332.
([51]) التعريفات للجرجاني ، ص 191 ـ 192 فقرة 958 .
([52]) سورة الملك ، 22 .

عودة لأعلى
الصفحة^ |
|
. |
| |
|
آخر الفتاوى |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
آخر
الدروس |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
آخر
الخطب |
|
|
|
|
|
|
|
|
قضايا للنقاش |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|