الصفحة الرئيسة

مقالات وبحوث الْحـرب فـي الإسـلام: المبدأية لا السطوية

لا يزال المسلم ـ لا سيما في هذا الزمان ـ في جهل كبير عن حقيقة دينه القويم، ولم يزل في حاجة ظاهرة إلى التعرّف بهذا الدين لأنه لم يصل بعد إلى عناصر عظمته، ولا أسباب قوامته، أو معطيات ظهوره على الدين كله، مع أن رب العزة جل وعلا في كثير من مواطن المنّ على المؤمنين يستدعي انتباه المسلم إذا تلا كتابه وقرأ قرآنه ووقف عند آياته البينات يهمس له في أذنيه كي يصل إلى قرار عقله وغاية قلبه وسؤؤد فؤاده : [ أنّ الإسلام هو الدين الحق الذي اختاره الرب تبارك وتعالى وارتضاه ديناً وقرر سبحانه أن يهيمن به الأديان وينسخ به الشرائع ويختم به الرسالات وأنّ ذلك هو المقصد الإلهي الحكيم من بعث محمدٍ صلى الله عليه وسلم ] وقد صدق جلّ جلاله يقول ) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) " الصف،9".

"فالهدى" و"الحق" هما عناصر عظمة هذا الدين، وهما سببا قوامته وظهوره على الدين كله، في كل شأن من شؤون البشر.. في كل جانب من جوانب حياتهم.. في كل تشريع أو حكم متنزّل عليهم، في كل موقف أو تصرف متخذٍ فيهم .. كل ذلك إنما يكون انطلاقه على "الهدى" ومبلغه إلى إحقاق "الحق".

ولا اعتبار أو مكان لكراهة المشركين من هدى الرسالة المحمدية أو بلوغ الحق بدين الحق! ولو كان ذلك على أكره مكروه للنفوس [ القتال والحرب] ولو تقرر ذلك فطرياً (كُتب عليكم القتال وهو كُرْه لكم ) "البقرة،216".

هكذا يقرر القران أنّ كل أمرنا ـ مادام مرجعه الإسلام ـ هدىً وحق، مما يؤكّد أن تشريعاتنا الإسلامية وتعاليمنا الدينية وأحكامنا الشرعية لها أهداف ، تنطلق جميعها بالمبادئ وتنتهي إلى المرامي والغايات والمقاصد ؛ حتى القتال والحرب!!..

ـ لم تكن الحرب في نظر الإسلام وسيلة لإقامة الدنيا على حساب الدين !!..

ـ لم تكن الحرب في نظر الإسلام يوماً ما حالة انتقام وتشفٍّ شخصي لقائد أو جماعة او قبيلة أو دولة !!..

ـ لم تكن الحرب في نظر الإسلام آلة تسلط أو همّ سطو على خيرات الآخرين استئثاراً للذوات ومنافعها الشخصية لتكون أمة هي أربى من أمة!!..

ولهذا: كان القتال عندنا جهاداً في سبيل الله لاستصحاب المقاصد الداعية لنشوبه، والمبادئ الراعية لسلوكه، فالحروب عندنا مبدأية لا سطوية ..

مبدأية القتال والحرب:

لتقرير هذه النظرة المهمّة للقتال والحرب في نظر الإسلام يجب أن ننبّه إلى أنّ القتال عندنا ليس من باب الرغبة أو اتباع الشهوة بل هو مكتوب مفروض على المسلمين من دينهم لا من تلقاء أنفسهم ، فرضها عليهم ربهم رب العالمين مع إقراره جلّ وعلا كون القتال مكروهاً لهم، فكأنهم يقاتلون امتثالاً لأمر ربهم لا تشهياً من أنفسهم ، فأصدر ربنا تبارك وتعالى الأمر الصريح الموجب للقتال يقول للمؤمنين (( كُتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لم والله يعلم وأنتم لا تعلمون )) "البقرة216".

إلا أنه تعالى يسلُّ من نفوس المؤمنين حظها الانتقامي أو السطوي فيحدّد نوع القتال الذي لا يجوز للمسلم أن يخوض سواه، يحدّد نوع القتال بانه ماكان " في سبيل الله"، فيقيّد في كل مواطن الأمر بالقتال أو الجهاد أو الحث به أو الدعوة إليه أو الحض عليه يقيّد القتال والجهاد بكونه " في سبيل الله ". كما أنّ رسول الإنسانية قائد الغرّ المحجلن صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الرجل يقاتل شجاعةويقاتل حمية ويقاتل رياءاً أيّ ذلك في سبيل الله؟ قال : ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) " متفق عليه".

وهذا يعني أنه لا يجوز للمسلمين أن تكون حروبهم التي يخوضونها في غير سبيل الله.

وحتى لا تنحرف نظرة المسلم عن مبدأية الحرب؛ وليبقى المحارب مجاهداً في سبيل الله يحمله لذلك المبدأ والمقصد الشرعي السماوي ـ سواء أكان فرداً أم جماعة أم دولة ـ رفض الإسلام أسباباً للحرب وأقرّ أسباباً أخرى تأكيداً لمبدأية الحرب الإسلامة، وسداً لذرائع السطوية أو عزائم التشفي، أو نوايا الغلب، أو مرادات الإقهار للشعوب والأمم..

أَسباب للحَرب يرفُضها الإسلام

1 من الحروب التي يرفضها الإسلام ، الحرب التي تثيرها القومية أو العنصرية ـ كحروب القوميات والعنصريات والجهويات التي تكوي جسد الأمة في حاضرنا، و نصلى جمرها في بلادنا اليوم ـ..

هذه الحروب يرفضها الإسلام، لأن الناس ( في الإسلام ) من عنصر واحد ومن أصل واحد، وكلهم من نفس واحدة، فلا فضل لأحمر على أسود، ولا أبيض على أصفر، ولا غني على فقير، ولا عربي على عجمي . فإن كانوا كلهم من نفس واحدة وعنصر واحد؛؛ فكيف يكون لعنصرٍ بعينه الخيرية والأفضلية وحق التسلط والتعالي على العناصر الأخرى والقوميات من دونها ؟؟..

وقد نبَّه رب العزة إلى هذا المرجع الواحد فقال{يآيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً}[النساء:1] .. وما جعل الناس شعوباً وقبائل إلا الذي يثمر الألفة والأنس بين الناس قال تعالى { يآيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم } [الحجرات : 13 ].

2 والإسلام يرفض أيضاً الحروب التي تبعثها المطامع والمنافع التي لا تجلب للدعوة خيراً ولا تدرء عنها شراً ـ كحروب الإستعمار التي استهدفت استئثار خيرات البلاد والبحث عن تسويق لمنتجاتها ومصنوعاتها . وهذا ما حذّر منه الله تعالى المؤمنين به فقال لهم { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم ، أن تكون أمة أربى من أمة...} [ النحل : 92 ].

3 والإسلام كذلك يرفض الحروب التي تنشب للتعصب للأديان والملل ـ كالحروب الطائفية والدينية ـ فما كان اختلاف الدين يوماً [ بمجرده ] سبباً للحرب، ولا كان الكفر [ بذاته ] علة للقتال، وقد نصّ الفقهاء على ذلك حيث قالوا: (( الكفر من حيث هو كفر ليس علة لقتالهم ))([1])..

ولو كان الكفر [ من حيث هو كفر ] سبباً للقتال ما تُرك كافر أو مشرك حياً في مجتمع إسلامي أو دولة إسلامية ، ولو كان اختلاف الدين علة للحرب بمجرده ؛ ما عاش غير مسلم بين المسلمين ، ولبادروا بقتله وإبادته ..

ولكن المسلمين ـ على مرِّ التاريخ الشاهد بعدلهم ـ كانوا حماة المضطهدين والمستضعفين من غير المسلمين ، بل نالهم من المسلمين البر والإقساط والإحسان، وفي القرآن تأكيد ذلك عند قوله تعالى{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين } [ الممتحنة: 8]..

أسباب الحـرب الشــرعية:

فالإسلام لا يقرّ حرباً ولا يخوضها إلا لأسباب ودواعٍ ودوافع لو نظر إليها المنصف الباحث للحق؛؛ لرأى من ورائها السلام يستغيث..

كذلك يمكننا أن نقول: إن كل الأسباب والدوافع الموجبة للحرب ـ في نظر الإسلام ـ إنما هي في حقيقتها انتهاك للأعراف الإنسانية ، واعتداء على السلام الاجتماعي الذي يسعى الإسلام لإيجاده وإقامته ، مما أوجب على المسلمين خوضها لصيانة الأعراف والنظم الحقّة الداعية لإحلال السلام حتى يتنسّم الناس عبير الأمن والاستقرار والسلام.

* أوّل تلك الأسباب: الحرب المفروضة لنصرة المظلوم والمستضعف ، لرد الظلم عنهم وحماية كرامة الإنسان من الاستضعاف والاضطهاد، قال تعالى { أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير } [الحج: 39] .. وقال سبحانه { ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون : ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ، واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً } [النساء: 75] .

*وثاني تلك الأسباب : الحروب التي تنشب من أجل حماية حرية العقيدة وانتشار الدعوة ، ولمنع الفتنة في الدين، قال تعالى في سورة البقرة [193]: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين }.وقال في سورة الأنفال [39]: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير }..

*وثالث الأسباب المبيحة للحرب في الإسلام: الحرب التي تقوم لدفع العدوان على المسلمين وديارهم وأموالهم ، ونصرةً للمسلمين أينما كانوا ، ولو في ديار الكفر أقلية مضطهدة استنصروا المؤمنين، عندئذ يجب نصرتهم وإعلان الجهاد نصرة لهم ولرفع الظلم عنهم إن كان واقعاً..

أما عن دفع العدوان الواقع على المسلمين فقد قال تعالى { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } [ البقرة: 194] .

وأما عن نصرة المسلم أينما كان ، وإن كان في ديار الحرب ولم يهاجر إلى ديار الإسلام ؛ فقد قال تعالى { والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا، وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير }[ الأنفال:72 ] .

كل ذلك يؤكد أن الحرب في نظر الإسلام مبادئ ومقاصد لا حظ فيها للانتقام الشخصي أو الطائفي حتى ولا الديني .. اللهم ارنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وارنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه ومن والاه.



------------------------------------

([1]) العلاقات الدولية في الإسلام، د. وهبة الزحيلي : ص 101.
 

عودة لأعلى الصفحة^

.
 
  آخر الفتاوى

  حكم تصميم المسلم للكنائس وبنائها

بيع الدولار بالشيك

  رسوم المناقصات والعطاءات

الزكاة لشعب فلسطين

  علاج الوسواس المستمر  

حكم تأجير الصحـف

  حكم صيام ست من شوال لمن عليه قضاء؟

 إسقاط الحمل من الزنا

  آخر المقالات

  الحرب فـي الإسلام

الوَسَطيَّة مفهومها ومحققاته

  بيوت الله في حياة المسلم

هــمُّ الدِّيـن والأمة

  خواطر حول معجزة الإسراء

مفهوم التجديد وتجـديـد التـديّن

  مقاصد البحث العلمي عند علماء الإسلام

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

.

الحقوق محفوظة لموقع الدكتور عبد الله الزبير 1429 هـ