[ عيد الفداء ومعاني الفداء ]
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من
شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن
يضلل فلا هادي له .. نحمده سبحانه كما ينبغي لجميع أسمائه
الحسنى وصفاته العلا ووحدانيته، حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم
سلطانه، ولا منتهى له دون علمه ولا منتهى له دون مشيئته ولا
أجرى لقائله إلا رضاه والنظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم.
نحمده سبحانه أوجدنا من عدم وشفانا من سقم وأسبغ علينا وافر
النعم، هدانا من ضلالة وعلمنا من جهالة وحبب إلينا الإيمان
وزينه في قلوبنا وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان اللهم لا
نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
لك الحمد ياذا الجود والمجد والعلا تباركت تعطي من تشـاء
وتمنـع
إلهي وخلاّقي وحـرزي وموئلـي إليك لدى الإعسار واليسر أفـزع
وأشهد ألاّ إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مقرٍّ بربوبيته،
شاهد بوحدانيته، منقاد إليه لمحبته، مذعن له بطاعته، معترف
بنعمته، فارٍّ إليه من ذنبه وخطيئته، مؤمل لعفوه ورحمته، طامع
في مغفرته، بريء إليه من حوله وقوته، لا يبتغي سواه رباً، ولا
يتخذ من دونه ولياً ولا وكيلاً، ولا يروم عن عبوديته انتقالاً
ولا تحويلاً.
وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، وخيرته في خلقه، وأمينه على
وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، أقرب الخلق إليه وسيلة،وأعظمهم
عنده جاهاً، وأسمعهم لديه شفاعة، أحبهم إليه وأكرمهم عليه.
يا خير مبعوث وأفضل مرسل وشفيع قوم أذنبوا وأساءوا
أنوارك العظمى إذا ما أشرقت يوم القيامة فالورى سعداءُ
***
الله أكبر ما حجّ مسلم وعمّر
الله أكبر ما لبّى حاجّ وكبّر
الله ما دعا الواقف بعرفة واستغفر
الله أكبر ما بات حاج بمنى وذكر
الله أكبر ما وقف بعرفة وبات بالمزدلفة ورمى جمرة العقبة ونحر
الله أكبر ما طاف وأفاض وحلق وقصّر
***
الله أكبر ما تحركت قلوب الحجاج إلى البيت الحرام
الله أكبر ما كبّروا ولبّوا ولبسوا ثياب الإحرام
الله أكبر ما اطوّفوا بالبيت العتيق وصلّوا خلف المقام
الله أكبر ما سعوا بين الصفا والمروة وذكروا الله عند المشعر
الحرام
الله أكبر ما اهتزت النفوس شوقاً إلى المدينة وساكنها خير
الأنام
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد،
الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً.
أما بعد: فيا أيها المسلمون:
هذا يوم عيد المسلمين الأكبر، يوم النحر العظيم، وهو أعظم يوم
عند الله تعالى كما روى عبد الله بن قرط عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم
القرّ) [أخرجه أحمد وأبوداود والنسائي وابن حبان].
وقد رتّب الله تعالى أعياد المسلمين على المواسم العظيمة
الحافلة بالنعم العظام والمنن الكبيرة التي يمنّ بها ربنا
تبارك وتعالى على عباده المؤمنين، وأعياد المسلمين ثلاثة :عيدٌ
للصلاة في كل جمعة، وعيدٌ الفطر، وعيد الأضحى.
ـ فعيد الجمعة في نهاية الأسبوع، رتّبه على التوفيق لأداء
الصلوات الخمس في كل يوم شكراً لله وفرحاً بنعمته وتوفيقه.
ـ وعيد الفطر رتّبه على شهر نزول القرآن والليالي المباركات من
رمضان، وقد غشيت الصائمين رحمة الرحمن الرحيم، وأدركتهم مغفرة
البرّ الغفور، ونالَهُم عتق العفو الكريم من النار، وقد قدّر
الأقوات والآجال والأرزاق والأحوال.
ـ وعيد النحر رتّبه تعالى على أمور عظيمة ونعم جليلة كبيرة :
* فهو عيدٌ لشكر الله لإكرامه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم
حين رفع شأنه وقهر شانئه ومنحه عطاء الرب الكريم لرسول كريم
حيث خصّه بنهر الكوثر في الجنة فقال: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ
الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شَانِئَكَ
هُوَ الأَبْتَرُ. [الكوثر،1-3].
* هو عيد إكمال الدين وإتمام النعمة رضا الرب جل جلاله
بالإسلام ديناً، ففي التاسع من ذي الحجة نزل قول الله تعالى
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة/3].
وقد جاء رجل من أهل الكتاب ممن يعظّم دينه إلى عمر بن الخطاب
في عهد خلافته الراشدة فقال : يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم
لو أنزلت علينا لجعلنا يوم نزولها عيداً، فقال عمر: وما هي؟
قال: آية ( اليوم أكملت لكم دينكم..) فقال عمر رضي الله عنه:
أشهد لقد نزلت في يوم عيدين يوم عرفة في يوم جمعة على رسول
الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة".
* هو عيد المغفرة الكبرى والعتق العظيم، فالله تعالى في يوم
عرفة يعتق من عبيده أضعاف ما يعتقه في غير يوم عرفة، وفي صحيح
مسلم عن سيدتنا وأمنا عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: ( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه
عبيداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم
الملائكة فيقول: ما أرد هؤلاء).
* وهو عيدٌ لاندحار الشيطان وشدة حقارته وصغاره ، ففي الموطأ
من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: ( ما رُؤي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدحر
ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة، وما ذاك إلاّ لما يرى من تنزل
الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام ). وعن عباس بن مرداس أن
النبي صلى الله عليه وسلم دعا لأمته عشية عرفة ثم بالمزدلفة
فأجيب من ربه فضحك صلى الله عليه وسلم ، فلما سئل قال: ( إنّ
إبليس حين علم أن الله قد غفر لأمتي واستجاب دعائي؛ أهوى يحثي
التراب على رأسه ويدعو بالويل والثبور فضحكت من الخبيث من جزعه
).[ أخرجه أحمد وابن ماجة].
* هو عيد الفداء شكراً لله تعالى الذي فدى أبانا إسماعيل عليه
السلام بذبح عظيم فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ.
وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ
الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ
هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ
عَظِيمٍ [الصافات/103-107]. الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا
إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد..
أيها المسلمون: هذا العيد هو عيد تعظيم حرمات الله، فهلا انتبهنا
لنقوم بواجبنا في تعظيم حرمات الله باجتناب المحرمات واجتناب
زور القول والعمل والتنزّه عن ملابسة كل رجس في الاعتقاد
والعبادة من أوثان الرجاء والخوف وأوثان الرغبة والرهبة لنكون
حنفاء لله غير مشركين به ،وقد قال تعالى ذَلِكَ وَمَنْ
يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ
وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ
الزُّورِ. حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ
يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ
فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ
سَحِيقٍ. ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ
فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج/30ـ32].
ولذلك كان من أعظم ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حجته
وفي ووقفته بعرفة تأكيد التوحيد لله وإقراره لربه تبارك وتعالى
بالوحدانية يكثر من قول : ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له
له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) ويتلو قوله تعالى
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ
وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران/18].ثم يقول: وأنا على ذلك من
الشاهدين.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر
الله أكبر ولله الحمد..
أيها المسلمون:
يجب أن يكون هذا العيد عيد التحرّر من الشيطان وإغوائه
واحتناكه وإضلاله وشر وسواسه. فإن إبراهيم عليه السلام وآله
رجموا الشيطان لمّا أراد أن يضلّهم عن أمر الله ؛ فنحن أولى أن
نرجمه:
ـ فلنرجمه بحجر البر والمعروف فنمشي بهما في الناس..
ـ ولنرجمه بحجر الإحسان فنكون من المحسنين..
ـ ولنرجمه بحجر الاستقامة على أمر الله فنغيظه..
ـ ولنرجمه بحجر الذكر الكثير فنبكته..
ـ ولنرجمه بحجر التوبة فنرغمه ..
ـ ولنرجمه بحجر الاستغفار فنخذله..
ـ ولنرجمه بحجر العفو والتجاوز فزيده غيظاً..
ـ ولنرجمه بحجر الطاعة والمسارعة إلى الله فنزيده تبكيتاً..
ـ لنرجم جانب الشيطان من أنفسنا، فإن النفس بين مخلبين من
مخالب الشيطان يجب تحريرها منهما، فالنفس تتقلب بين النّزغات
الشيطانية وبين اللذات الشهوانية.وبذلك تتحقق الحرية الحقة.
قال الجنيد رحمه الله: " إنك لن تصل إلى صريح الحرية وعليك من
حقيقة عبوديته ـ أي الشيطان ـ بقية". وقال بشر الحافي رحمه
الله: " من أراد أن يذوق طعم الحرية ويستريح من العبودية ـ أي
للشيطان ـ فليطهِّر السرية بينه وبين الله تعالى".
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر
الله أكبر ولله الحمد. أيها المسلمون: يجب أن يكون هذا العيد عيد التصافي والتعافي في
الله، فالله تعالى هو العفو الكريم ويحب العفو منه تعالى ومن
عبده، ويحب الصفح والتجاوز، ولو بالتذلل وركوب الهوان في سبيل
بقاء الأخوة وصفاء النفوس وإفشاء السلام بيننا، فقد قال تعالى
يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ
دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ
عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا
يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ
مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة/54].
وأهل المسارعة إلى الجنات هم أولئك الباذلين لعرضهم يعفون عمن
ظلمهم ويتجاوزون عمن نالهم بسوء ويغفرون لمن أساء إليهم. وهو
قوله تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ
لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ
وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ
النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران/133،
134].
فأين نحن من هذا اليوم؟ ساءت أخلاقنا نع بعضنا في البيع
والشراء، في الوظيفة والخدمة، في الأسواق والمتاجر حتى في
الطرقات وغيرها في سائر أحوالنا وجوانب حياتنا: أنانية، جشع،
طمع، وتطلع لما عند الآخر بخُبث أو حسد.
واليوم قبل أن نذبح ضحايانا لا بدّ نذبح كلٌّ منا في نفسه
السوء والبخل والجشع والطمع والأنانية والتعالي والتكبّر،
وليكن شعارنا هذا العام وما بقي من العمر من أعوام نصيحة أبي
الدرداء رضي الله عنه لعون بن عبد الله : " أقرض من عرضك ليوم
فقرك" أي لا تأخذ ممن نال عرضك حقاً، ولا تقم عليه حداً حتى
إذا أتيت يوم الحساب وأنت يومئذ أحوج ما تكون لحسنة واحدة فتجد
خيْرَ تجاوزك مضاعفاً عند فقرك لكل حسنة.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر
الله أكبر ولله الحمد.
أيها المسلمون:
لابدّ ونحن نحتفل بهذا العيد العظيم وهو عيد الفداء أن نتحقق
بمعاني الفداء ونحقّقها في واقعنا وفي مجتمعنا مجتمع خير أمة
أخرجت للناس أمة خير النبيين صلى الله عليه وسلم.
ولن تتحقّق معاني الفداء إلاّ بفداء الذات، وفداء الملّة
والدين، وفداء المجتمع والإخوان، وفداء الأمة وفداء النفس..
1ـ فداء الذات: وذلك بالخروج عن كل الشهوات في سبيل الله، حتى
من شهوة الأبوة وحب الأبناء. فإن الرجل الصالح صاحب موسى ـ
عليهما السلام ـ إخراجاً للأبوين من شهوة الأبوة قتل الغلام
وقد علّل ذلك تعليماً لموسى عليه السلام بقوله: وَأَمَّا
الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ
يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا. فَأَرَدْنَا أَنْ
يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ
رُحْمًا [الكهف/80، 81]. وقد أقام هذا المعنى العظيم سيدنا
وأبينا إبراهيم عليه السلام حيث فدى دينه وأمر ربه بابنه وكاد
أن يذبحه امتثالاً لأمر الله تعالى.
فإن كان إبراهيم عليه السلام أراد أن يفدي بولده فيذبحه لأمر
الله ! فواجبنا إنْ رحمنا الله فعافنا عن ذبح أبنائنا؛ أن
نجاهد أنفسنا فنذبح في أبنائنا الجنوح للمعصية، والرغبة إلى
السوء، والتطلع للفاحشة، وارتياد المنكر، وحب الدنيا وكراهية
الموت.
2ـ فداء الملّة والدين: وذلك بحفظ الملّة وحراسة الدين والتزام
الشريعة والاحتكام للكتاب واقتفاء أثر المصطفى صلى الله عليه
وسلم والاهتداء بهديه وإقامة الشرائع وتعظيم الشعائر حنفاء لله
غير مشركين به. وليكن شعارنا نردده بحالنا ومواقفنا:
في سبيل الله قمنا نبتغي رفع اللواء
لا لدنيا قد عملنا نحن للدين فداء
فليَعُد للدين مجدُه أو تُرَقْ منا الدماء
3ـ فداء المجتمع والإخوان: فتبذل لهم وقتك وصاحب الجاه يبذل
لهم جاهه وصاحب السلطان سلطانه فيقوم مجتمع التكافل والتعاون
على البر والتقوى، ومجتمع الإخاء في الله وقد جاء في الحديث
القدسي: ((قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَجَبَتْ
مَحَبَّتِى لِلْمُتَحَابِّينَ فِىَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِىَّ
وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِىَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِىَّ » [ موطأ
مالك].والتباذل أن يبذل كلٌّ مما أنعم الله عليه من الخير
لأخيه.
غير أن أخوة الإيمان والإسلام غابت وطفت في مجتمعات المسلمين
أخوات دنيوية وبعضها جاهلية، من أخوة القبيلة المتعصبة وأخوة
الحزبية المقيتة وأخوة المنفعة المحضة، فأقصيت أخوة الإيمان
والإسلام، ولذلك ضاعت مبادئ الأخوة وتلاشت في خضم الأخوات
الدنيوية، ولذلك تساهل بعض الناس في الخوض في دماء المسلمين
واستباحوا حرمات المؤمنين وأقضّوا مضاجع الآمنين الأبرياء من
كهول وأطفال ونساء وشباب الأمة في قراها وأحيائها تقديماً
لأخوة القبيلة على الأخوة النبيلة بالدين، وأخوة الطائفية
الزائفة على الأخوة الزالفة إلى الله. والمسلم أخو المسلم لا
يظلمه ولا يسلمه، ولا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كما قرر
النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك الأخ المؤمن الحق هو الذي
يعطب ليسلم أهله وعشيرته وإخوانه.. ويخاف ليأمن أهله وعشيرته
وإخوانه.. ويساهر لينام أهله وعشيرته وإخوانه.. ويفقر ليغنى
أهله وعشيرته وإخوانه.. ويُعدِم نفسه ليبقى أهله وعشيرته
وإخوانه:
إنّ أخاك الحقَّ من كان معك ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومَنْ إذا رَيْبُ الزمان صَدَعَك شتّت فيك شمله ليجمعك
4ـ فداء الأمّة: ويكون ببذل النفس والمال والولد في سبيل بقاء
الأمة قوية متماسكة متوحّدة مرهوبة الجانب مجتمع الكيان لتعبّر
بحق أنها خير أمة أخرجت للناس.
فالمسلم الفرد في الأمّة يجب أن يكون منتجاً للبرٍّ مفتاحاً
للخير همّه الأعظم التعريف بدينه وإظهار خيرية أمته، وهمّه
الأكبر الحفاظ على الأمة بأفرادها وجماعتها لا يكون فوهة
المدفع التي توجّه إلى الأمة من أعدائها. ينصر أمته في كل
ناحية قاصية أو دانية بنفسه فإن لم يستطع فبماله فإن لم يستطع
فبالدعوة والدعاء ، وقد قال تعالى وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي
الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ [الأنفال/72]. والنصر بكل
سبيل يفدي فيه أمته بنفسه أو بماله أو بولده.
5ـ فداء النفس: ويكون بشراء النفس من الله تعالى بكل ثمين نفيس
غال، ولو بذل النفس ذاتها لتسلم من غضب الجبار وتُحرم عن النار
وتدخل الجنّة مع الأبرار وقد قال تعالى إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ
لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة/111]. وقد اجتهد كثير من السلف في
فداء أنفسهم بشرائها من الله بالمال والنفس.
ـ فهذا عامر بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم يفدي نفسه
بديته ست مرات يتصدق بها..
ـ وهذا حبيب العجمي يشتري نفسه بأربعين ألف درهم يتصدق بها..
ـ وهذا أحد السلف يشتري نفسه بوزن نفسه فضة يتصدق بها..
ـ وهذا أبو هريرة رضي الله عنه يشتري نفسه بالتسبيح كل يوم 12
ألف تسبيحة مقدار ديته.
ـ وهذا حكيم بن حزام رضي الله عنه يفدي نفسه يطلب عتقها بعتق
مائة رقبة وتقديم مائة بدنة مقلّدة..
ـ وهذا هارون الرشيد رحمه الله يفعل ذلك طلباً لفكاك النفس
وفدائها.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر
الله أكبر ولله الحمد.. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
***
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين
وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر
الله أكبر ولله الحمد.
عيدٌ بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم بأمر فيك تجديد
فالعيد للفرح والسرور بما أنعم الله وبما وفّق عباده المؤمنين
للطاعات وللحج ، ولكن!! مع ذلك تذهب نفس المسلم الغيور على
دينه المهتم بأمر أمته حسراتٍ ويتقطع قلبه وكبده بلسان حاله
يردد:
فيا مقلتي العبرى عليه اسكبي دماً ويا كبدى الحرى عليه تقطعي
وذلك لما يرى من حال الأمة: أجزاء من أرض المسلمين تحتل..
وبلاد تغزى.. وشعوب تؤذى.. وقرىً تجتاح .. وفلسطين المباركة
يزداد أذى أهلها.. وغزة العزة يزداد حصارها وأسارها، ويمنع
أهلها حتى من أداء مناسكهم وشعائرهم من أحفاد الجنازير اللئام
اليهود الصهاينة..
وواجب الأمة في عيد الفداء تجاههم وتجاه كل قضايانا أمران:
أمر يخصّ القادة والأئمة: وهو الإسراع في التوحد الكامل وإعلان
النصرة الواجبة بكل سبيل. وهم لذلك قادرون ولم يُرَ في عيوب
الناس عيب كنقص القادرين على التمام
وأمر يخصّ عامة الأمة: وهو نصرهم بالمتاح: وفي عيد الأضحى كان
مما ينبغي للعلماء أن يصدروا النصائح والفتاوى بتقديم قيمة
الأضاحي أو الأضاحي لإخواننا في غزة، فإنه إن كانت الأضحية سنة
من سن التأكيد أو الاستحباب فإنّ نجدة الأمة أينما كانوا واجبة
بلا خلاف، وقاعدة الشريعة تقديم الواجبات على السنن والمستحبات،
بل ولو كانت واجبة عند بعض العلماء فهو وجوب مختلف فيه ونجدة
المسلم وجوب غير مختلف فيه، وقاعدة الشرع رعاية الواجب المتفق
عليه وتقديمه على الواجب المختلف فيه. أيها المسلمون: وإن كان ما قلناه؛ إلا أن من سنن العيد إظهار الفرح
والسرور، ومن سنن العيد وهديه إدخال السرور في قلوب الآخرين..
فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال فيما أخرجه الطبراني
وغيره من حديث جابر رضي الله عنه: ( إن أحب الأعمال إلى الله
بعد الفرائض إدخال السرور على أخيك المسلم، وإشباع جوعته،
وتنفيس كربته). وسئل محمد بن المنكدر رحمه الله: ما أفضل
الأعمال إليك؟ قال: إدخال السرور على المؤمن. قيل: فما بقي مما
تستلذّ؟ قال: الإفضال على الإخوان.
فليكن عيدنا فرصة حميدة لإدخال السرور على الفقراء والمساكين
والجيران والأرامل والأيتام والأرحام والإخوان والأصحاب
والأصدقاء بالإنفاق والتصدق والتهادي والتزاور والتراحم والصلة
نرضي ربنا ونرضي رسولنا ونقيم مجتمع التآخي والتوادد والتراحم
والتكافل فنكون.