الصفحة الرئيسية : الترجمة الشخصية : مقالات وبحوث : كتب ومؤلفات : قضايا معاصرة : اتصل بنا

اللهم إنا نسألك فهم النبيين وحفظ المرسلين والملائكة المقربين      أخبار ومشاركات : المكتبة الصوتية : فتاوى وسؤالات : دروس التزكية : قضايا العلوم : ركن الأدب : الوسائط                                 

 

   جديد الأخبار: ســـــؤالات الصـــــائمين :: صدور كتاب "عقوبة المرتد وشبهات المعاصرين" :: صدور كتاب "نصرة غير البشر لخير البشر صلى الله عليه وسلم " :: زيارة وفد هيئة علماء الجزائر :: كتاب مسؤولية الوظيفة العامة

 

  صيام الحامل والمرضع

  هل في الصيغة نوع من الغرر ؟

  تأجيـــر الصحـــف

  عقود الإذعان

 

 

 

الاستعداد لشهر الخير

 

 

 

الـزوجــــة الصالحـة خيرُ مـتاعِ الدُّنـيا

  

 

 
  قضية

البيع الإيجاري وموقف الفقه الإسلامي منه

فإنّ صيغ المعاملات المالية الحديثة تصرّ إصراراً شديداً على الجنوح نحو السلامة من المخاطر والمغارم ، وتوثر البراءة من الضمان والمغانم المحضة من غير أي توقّع لخسارة أو تحمّل لتبعات ، فكلما وجدوا طريقاً للكسب المضمون ؛ ركبوه ، وكلما وجدوا طريق الكسب محفوفاً بنوع خطر أو مغرم ، طالبوا باستثنائهم بطريق تحديد المسؤولية ، أو اعتذروا عن التعامل فيه ، وسعى لتحقيق هذا المطلب لهؤلاء المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال جماعة على محاولةٍ لإدخال أنواع معاملات هي في الحقيقة تحقق السلامة من المخاطر وتعفو عن الضمان ؛ إلاّ أنها تخالف المشروع في فقه الإسلام والمأذون به في شرع المسلمين .

وهذا البيع المسمّى بالبيع الإيجاري من هذا النوع ، فهو نوع معاملة من قبيل المحقق للسلامة من المخاطر والهروب من الضمان والعفو من الغرم ، وقاعدة التعامل في الفقه الإسلامي " الغنم بالغرم " و " الخراج بالضمان ". فكان هذا البحث.

ولقد جعلت البحث في ثلاثة مباحث:

المبحث الأول : في حقيقة البيع الإيجاري وأغراضه التجارية .

والمبحث الثاني : في موقف الفقه منه.

والمبحث الثالث: في البدائل المشروعة للبيع الإيجاري.

والله أسأله التوفيق والسداد ، وإصابة الهدف على رضا منه والله الموفق والمعين.

المبحث الأول

حقيقــــة البيـــع الإيجــــاري وأغراضــــه التجارية

المطلب الأول : تعريفـــه وتاريخــــه:

عُرف التعامل بالبيع الإيجاري ونشأت عقوده في انجلترا في أخريات القرن التاسع عشر ، ثم أخذ به الفرنسيون وطبّقوه في صفقاتهم ومعاملاتهم التجارية، ويطلق البيع الإيجاري عند الإنجليز بـ" Hire - Purchase" وعند الفرنسيين يطلقون عليه” Location - vente ” .

ولم تكن النظرة إلى هذا العقد الجديد متوحّدة لدى الإنجليز والفرنسيين ، بل تخالفت نظرتهم له ، حيث اعتبره النظام الإنجليزي عقد إيجار، بينما اعتبره النظام الفرنسي أنه عقد مركب من عمليتين إيجار يليه بيع([1]).

كما أنّ حقيقته اختلفت صورتها لدى الناس شيئاً ما ، مع أنها تعريفه متقارب قليلاً في المدلول العام . وهنا بعض التعريفات للبيع الإيجاري.

_ يعرّفه يسى عبد السيد في القاموس التجاري بأنه: الشراء التأجيري وهو الدفع على أقساط مع إبقاء الملكية للبائع إلى حين إتمام الأقساط " ([2]).

_ وعرّفه رفيق المصري بأنه: في حقيقته: بيع بالتقسيط مع الاحتفاظ بالملكية"([3]).

_ وعرّفه أستاذنا الدكتور أحمد علي عبد الله بأنه: " رهنٌ للسلعة المستأجرة مشفوعٌ بالخيار لشراء السلعة محل الإجارة والرهن وفق شروط محددة"([4]).

_ والحقيقة التي ترجحت لي أن البيع الإيجاري يحسن أن يقال في تعريفه ـ كما سيتضح من صوره ـ أنه: "عبارة عن عقد يجتمع فيه البيع بالتقسيط والإجارة الناجزة ، يتملك بموجبه المستأجرُ العينَ ولا يملك منفعتها إلاّ بمقابل له مع بقاء ملكية المبيع في يد البائع".

المطلب الثاني : صــورته وشكلــه:

وصورة البيع الإيجاري يمكن إيضاحه بالمثال الآتي :

منْزل أراد مالكه بيعه بطريق البيع الإيجاري، فوافق الراغب في الشراء، فيتعاقدان على النحو الآتي :

1- يتعاقد المالك "المؤجر" على أنه بائع ، والمستأجر على أنه مشترٍ.

2- يبقى المنزل في ملكية البائع " صاحبه قبل البيع" حتى يستكمل المشتري جميع الأقساط الواجبة عليه ، وحتى نهاية الأقساط لا يكون مالكاً لمنزل الذي اشتراه.

3 – يتسلم المشتري المنزل" المبيع" على أساس أنه مستأجر ، فيستفيد بالسكنى ولا يعتبر مالكاً أصلاً.

4- يدفع المشتري "المستأجر" لمدة معلومة الإيجار الشهري أو السنوي أكثر من أجرة المثل باعتباره ثمن المنزل المجزّأ على أقساط زائداً (+) ثمن إجارة المنزل.

@ نفس هذه الصورة تكون في السيارة ، أو السفينة ، أو المعدات والآلات، أو المصانع ..الخ..

وعليه فحقيقة البيع الإيجاري أنه:

1- صيغة صورية جوهرها عقد بيع، ولكنه بيع مستور بإجارة.

2- الأجرة التي يدفعها المستأجر ـ في الغالب ـ تفوق بكثير عما كان سيدفعه إذا كانت الإجارة حقيقية.

3- المستأجر لا يكون مالكاً للسلعة ـ مع أنه اشتراها ـ لمجرد مسمى الإيجاري، وبذلك:

أ ـ لو أفلس المشتري"المستأجر" لم تدخل السلعة في التفليسة، وعندئذٍ يستطيع البائع استرداد المبيع إذا أفلس المشتري، لأن الأموال المستأجرة لا تدخل في التفليسة([5]).

ب ـ لا يستطيع المشتري"المستأجر" أن يتصرف في السلعة بأي نوع تصرف ، وإذا تصرف بالمال المؤجر اعتبر مرتكباً لجريمة التبديد([6]).

ج ـ مع أن المشتري"المستأجر" في الحقيقة اشترى السلعة إلاّ أنه لا يملك الانتفاع بها إلاّ بمقابل خاص لكل انتفاع ولذلك يدفع أجرة ركوب السيارة وسكنى الدار واستخدام المعدات .

د ـ إذا هلك المبيع سيهلك على المستأجر باعتباره مشترياً مع أنه مستأجر ، فصارت يده يد ضمان مع أنها يد أمان إلاّ بالتعدي أو التقصير أو الإهمال .

4- إذا لم ينتظم المستأجر في سداد الأقساط لا يتم له التملك، وعليه:

أـ البيع الإيجاري بيع معلق على شرطين:

1- الانتظام في سداد الأجرة والثمن.

2- الاحتفاظ بملكية السلعة للبائع وتعليق نقل الملكية إلى حين سداد جميع الأقساط.

ب ـ إذا تخلف المستأجر"المشتري" عن دفع أي قسط استرجع "صادر" المؤجر" المالك" السلعة كما يصادر جميع المبالغ المدفوعة إما لكونها:

أ ـ أجرة مقبوضة..

ب ـ تعويضاً عن فسخ العقد..

ج ـ للأمرين معاً ـ أجرة وتعويضاً ـ .

المطلب الثالث: أغراض التعامل بالبيع الإيجاري :

وللمتعاملين بالبيع الإيجاري ـ بلا ريب ـ أغراض تجارية يمكن تلخيصها في غرضين كبيرين ، هما:

1- احتفاظ البائع بملكية المبيع إلى حين سداد جميع أقساط الثمن بدون شرط صريح، لأنه لو صار بيعاً فإن الملكية تنتقل إلى المشتري بمجرد عقد البيع سواء أكان البيع نقداً أو مؤجلاً أو بيعاً بالتقسيط .

2ـ توفير الضمانات الكافية وحماية البائع والممول من مخاطر عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عنه: من إعسار المشتري، أو تفليسه، أوتقصيره وسوء نيته، ونحو ذلك.

# # #

المبحث الثاني

موقف الفقه الإسلامي من البيع الإيجاري

المطلب الأول : أقوال العلماء في البيع الإيجاري:

لم يكن هذا النوع من العقود معروفاً لدى فقهاء المسلمين على مرّ العصور حتى تعاملت به بعض المؤسسات المالية والمصارف في هذا العصر، ولكنهم لما نظروا إلى حقيقته وأنه بيع مستور بإجارة ووقفوا على الشروط الحاكمة له، واستصحاب بعضهم القواعد العامة ونظرية المصلحة بتوسع أو تضييق، والتفت على بعضهم معطيات الواقع المعاصر وظروف الناس ونحو ذلك ؛ تباين النظر الفقهي لديهم، ومن ثَمَّ اختلفوا في حكمه إلى قولين:

القـول الأول:

ذهب أصحابه إلى المنع منه مطلقاً ، ونظروا إليه أنه عقد غير جائز يخلط بين البيع والإجارة ، وهؤلاء هم جماهير الفقهاء المعاصرين ، وهو يمثّل رأي المجامع الفقهية ، ولجان الاجتهاد الجماعي في الهيئات الشرعية في المؤسسات المالية والبنوك وغيرها .

القــول الثاني:

وهو لجماعة من علماء العصر لا يخالفون من سبقوا أنه عقد غير جائز ، ولكنهم رخصوا فيه للضرورة والحاجة الشديدة الظاهرة، وضيقوا الرخصة على فئات معينة من الناس، وهم المسلمون الذين يعيشون في الغرب، إذا اضطروا إلى امتلاك شقة والحاجة إليها مسيسة ظاهرة والضرورات تبيح المحظورات على أنّ الضرورة تقدر بقدرها ولا يجوز التوسع فيها، ولذلك حصروا الرخصة في الذين يعيشون في الغرب لدراسة أو عمل أو مواطنة أن يدخلوا في هذه المعاملة لامتلاك مسكن للمشقة الشديدة التي يجدونها من غير سكنى مملوكة " والمشقة تجلب التيسير".

والتحقيق: أنه لا خلاف بين القولين المذكورين بالمعنى المعهود ، بل القول الثاني يقرّ مذهب المنع والحظر ، ثم يخصص حالة من الحالات وفئة من الفئات من عموم الحظر والمنع، كما أنه لا ينكر أصحاب القول الأول قاعدة الإباحة للضرورات، فلو تحققت الضرورة فإن الضرورات تبيح المحظورات.

وعليه: فلا تباين في الحقيقة الفقهية بين القولين ، ويمكن الجمع بينها في جملة واحدة بأن يقال:

[ البيع الإيجاري متفق على حرمته إلاّ في ضرورة أو حاجة شديدة ترتّب المشقة الجالبة للتيسير ].

وأسباب الحظر والمنع والتحريم للبيع الإيجاري الإشكالات الشرعية التي ترد عليه. ولذلك يحسن الوقوف على هذه الإشكالات.

المطلب الثاني :المؤاخذات الشرعية على البيع الإيجاري:

كثير من الإشكالات الفقهية والمآخذ الشرعية أوردها العلماء على البيع الإيجاري وصلت عند بعضهم إلى ثمانية إشكالات ومآخذ، كل واحد منها يجعل التعامل به محظوراً ممنوعاً في الشرع يطالب المسلم التنزّه عن التعامل به والتساهل فيه وجوباً وحتماً .

ويمكنني عرض هذه الإشكالات والمآخذ في النقاط الآتية:

المأخذ الأول: الخلط بين البيع والإجارة على هوى البائع:

فهذا العقد يسمى البيع الإيجاري، وحقيقته بيع وشكله القانوني إجارة ، بحيث يأخذ أحد العاقدين [ البائع ] بما يمكنه من المحافظة على سلعته في يده من آثار هذين العقدين، فيأخذ من آثار البيع ومن آثار الإجارة بقدر ما يحقق له التمكن من الاحتفاظ بالعين المبيعة بعيداً عن يد المشتري"المستأجر".

ـ فمن البيع:

i يسارع إلى تحديد الثمن وقبضه مقسطاً ..

i يضمّن يدّ المشتري"المستأجر" عند هلاك المبيع أو نحوه.

ـ ومن الإجارة:

i يسارع إلى الأجرة وقبضها ..

i يسترجع العين عند إعسار المشتري أو تفليسه باعتباره مستأجراً لا مالكاً للعين.

وفي كل هذه الأحوال يقع الظلم والغبن بالمشتري ، لحاجته للعين محل العقد. ويستريح البائع على شاطئ الأمان لا يلحقه أذى ولا ضرر ولا يقرب مخاطرة ولا غرماً وليس عليه من ضمان شئ حتى يسلم له البيع ويغنم بلا غرم ولا مخاطرة.

وهذا بلا شك لا تقرّه الشريعة بأي حال من الأحوال.

المأخذ الثاني: اجتماع بيعتين في بيعة وصفقتين في صفقة:

فالبيع الإيجاري بيعة اجتمع فيه بيعتان، وصفقة اجتمع فيها صفقتان ، هما البيع والإجارة ، والبيع عقد ، والإجارة عقد كلاهما من عقود المعاوضات ، غير أن البيع يقتضي تملك العين رقبة وذاتاً ، والإجارة تقتضي تملك منفعة العين مع بقاء العين رقبة وذاتاً في ملك المؤجر.

والجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة يمنعون اجتماع بيعتين في بيعة وصفقتين في صفقة للأحاديث الناهية عن ذلك ، ومنها:

ـ حديث أبي هريرة:( من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا )([7]).

ـ حديث أبي هريرة:( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة )([8]).

ـ حديث ابن مسعود:( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة )([9]).

ـ حديث ابن عمر رضي الله عنهما:( ولا تبع بيعتين في بيعة )([10]).

وقد يتعلق بعضنا بما ذهب إليه المالكية بجواز اجتماع البيع والإجارة في عقد واحد ([11]).

ويجاب عنهم : بأن مذهب المالكية بجواز اجتماع البيع والإجارة لا يدخل في البيع الإيجاري ، لأن مقصودهم أن يبيع الرجل داره ـ مثلاًُ ـ ويستأجرها من المشتري لنفسه ، فيقول للمشتري: أبيعك داري هذه بكذا على أن تأجرني إياها لمدة كذا بكذا . وهذا ما يعرف بإجارة العين لمن باعها إجارة عادية تشغيلية.

أما البيع الإيجاري ففيه : أبيعك داري بكذا لأجل بأقساط على أن تستأجره مني بكذا لمدة كذا . فهذا لا يمكن أن يقول به المالكية، لأنّ البيع تمليك لرقبة العين ومنفعتها ، وفي اجتماع البيع والإجارة بهذه الصورة بيع لا تمليك فيه للعين ولا تملك لمنفعتها إلاّ بمقابل آخر ، فيكون مالكاً ممنوعاً من الانتفاع بملكه، وفيه استئجار المالك لملكه.

المأخذ الثالث: دخــول العوضــين فـي يــد البائـع:

وفي البيع الإيجاري يستأثر البائع بعوضي العقد، بحيث يبيع السلعة ويأخذ ثمنها وهو لا يزال مالكاً لها، بينما المشتري يدفع الثمن ولا يدخل المبيع في ملكه بل يشتري ليستأجرها.

وهذا لا يقره الشرع، لأنّ البيع معاوضة حقيقته أن يؤخذ عوض بعوض، فالعاقدان لكليهما عوض مقابل لعوض الآخر، كما أنّ مقتضى البيع أن يدخل المبيع في يد المشتري، وأن يدخل الثمن في يد البائع. وهذا لم يكن بل دخل العوضان المبيع والثمن في يد البائع. وهذا لا يجوز معاوضة لأن اجتماع العوضين في يد أحدهما مخالف للشرع وقواعده ([12]).

4ـ بيــع ٌ لا يحقّــق مقتضـــاه " لا تملك فيه":

لأن مقتضى البيع أن يدخل المبيع في يد المشتري وأن يتملك المشتري العين المباعة ، وهذا لم يكن في البيع الإيجاري ، لأنه في حقيقته بيع لا تملك فيه ، بل هو بيع مع بقاء الملك في يد صاحبه.

ولا تعلق بكونه بيع بالتقسيط ، لأنّ البيع مهما يكن بيعاً بنقد عاجل، أو بيعاً مؤجلاً، أو بيعاً بالتقسيط يجب أن يترتب عليه أثره بمجرد وقوعه ، بانتقال ملكية المبيع إلى المشتري والثمن إلى البائع ، ولو بقي في ذمة المشتري إلى حين حلول أجله المتفق عليه.

ولا يتعاطف مع البائع الخائف إعسار المشتري أو عسفه أو تقصيره في سداد ما عليه أو سوء تصرفه في المبيع ؛ لأن من حق البائع أن يأخذ الضمانات التي تحمي حقه وتمكّنه من استيفاء الثمن سواء أكان رهناً أم شيكاً أم نحوهما بحيث إذا قصّر المشتري عن الوفاء بالتزاماته أو عجز عن الوفاء بها تصرف البائع في الضمان لاستيفاء حقوقه ومديونيته من غير تجاوز لها. ولا يجوز التستر بإجارة في بيع لحماية أحد طرفي العقد.

المأخذ الخامس: عقد يخالف القواعد الشرعية:

لأنه :

1ـ يجعل العوضين في يد البائع .

2ـ ولأن البائع لا يخاطر بشيء ولا ضمان عليه في شيء ولا يغرم شيئاً ، بل يغنم في كل الأحوال والغنم بالغرم:

ـ فسلعته التي باعها في يده باقٍ في ملكه.

ـ وثمن تلك السلعة حصل عليه وقبضه.

ـ وأمن من آثار تلف المبيع وهلاكه ، إذ جعل الضمان على المشتري بموجب عقد الإجارة الصورية.

ـ أمن من آثار عجز المشتري وإعساره وفلسه، لأن سلعته ستعود إليه إذا عجز المشتري أو أفلس، باعتباره مستأجراً وهو مشتر قد ملك السلعة المبيعة .

ـ ما دفعه المشتري من أقساط في حالات الإفلاس أو الإعسار أو هلاك المبيع لا تعود إليه بل يحوزها البائع باعتبارها أجرة لمدة الإجارة ، أو تعويضاً عن فسخ العقد ، أو أجرة وعوضاً جمعاً للأمرين معاً.

فأي ظلم أكبر من هذا؟؟ ، وأيّ ضرر ألحق بالمرء من هذا؟؟

والظلم يجب أن يرفع .. والضرر يجب أن يزال .. والغنم بالغرم. وليس من سبيل لرفع الظلم وإزالة الضرر وإقامة العقد على موافقة الشرع إلا حظر هذا النوع من البيع المسمى بـ"البيع الإيجاري".

المأخذ السادس: منع مالك العين من ملك منفعة العين.

فالمشتري مع أنه أصبح ـ بمقتضى عقد البيع وحقيقته ـ مالكاً للعين التي اشتراها ، ولكنه مع ذلك مُنع بموجب عقد البيع الإيجاري من امتلاك السلعة التي اشتراها والتصرف في ملكه بأمر نفسه.

ثمّ إنّه مع امتلاكه للعين التي اشتراها غير ممكّن من الانتفاع بها ، فلو كانت العين سيارة فإنه غير ممكّنٌ من ركوبها إلاّ بمقابل "أجرة" ، وإنْ كانت العين آلة فإنه غير ممكّن من استخدامها والانتفاع بها إلاّ بأجرة ، وإنْ كانت العين داراً فليس له حق السكنى تبعاً لملكيته لها بل له إنْ أراد أن يسكنها أن يدفع ثمناًُ لأجرتها ، وهكذا.

فهذا من أكل أموال الناس بالباطل.

فأيّ نوع من البيوع هذا البيع الإيجاري الذي يمنع الطرف المشتري من حقه والانتفاع بملكه ؟؟!!.

المأخذ السابع: فيه شرطٌ مناقضٌ لمقتضى العقد:

لأن عقد البيع الإيجاري عقد مدخول فيه لاشتراط الاحتفاظ بملكية المبيع إلى حين سداد جميع الأقساط ، وهذا يعني: عدم تملك المبيع لدافع الثمن "المشتري"، وإنما دخل المشتري في هذا البيع ليمتلك المبيع ، فناقض هذا الشرط مقتضى العقد، ومن نصوص الفقهاء في ذلك ما نسبه صاحب تبيين المسالك إلى الجمهور : " يحرم بيع مع شرط يناقض المقصود من البيع كأن يشترط البائع على المشتري لا يبيع السلعة المشتراة ولا يهبها "([13]).

ثمّ إنّ هذا الشرط شرط يحرّم حلالاً ، والحلال الذي حرّمه هذا الشرط هو امتلاك المشتري لما اشتراه والانتفاع به والتصرف فيه ، والقاعدة " كل شرط حرم حلالاً أو أحل حراماً فهو ممنوع " والحديث : ( المسلمون عند شروطهم إلاّ شرطاً أحل حراماً أو حرّم حلالاًَ ) ([14]).

فهو يحرم حلالاً ويمنع منه، كما أنه شرط مناقض لمقتضى العقد ،والشرط بهذه الصفة من الشروط الباطلة أو الفاسدة على أقوال الفقهاء ، فإما أن يبطل العقد وإما أن يلغو الشرط، وكلا الحالين دالٌّ على سوء هذا البيع الإيجاري وفساده.

المأخذ الثامن: فيه إجارة مقترنة بعقد بيع معلق على شرط:

فعقد البيع الإيجاري من حقائقه أنه عقد إجارة مقترنة بعقد بيع معلق على شرط سداد الأقساط الإيجارية، "لأن عقد البيع نشأ بصفة متوازية مع عقد الإجارة، ولكن أثره لا يبدأ إلاّ بعد انتهاء عقد الإجارة وتحقق شرط استيفاء جميع الأقساط الإيجارية، فهو ـ إذن ـ عقد إجارة اقترن بعقد بيع معلق على شرط ، وجمهور الفقهاء منعوا ذلك" ([15]).

# # #

المبحث الثالث

البدائل المشروعة للبيع الإيجاري

البديل الأول: الإجارة المنتهية بالتمليك:

الإجارة المنتهية بالتمليك من صيغ التعاملات المالية المعاصرة ، جيء بها في واقع الأمر بديلاً للبيع الإيجاري ، ولذلك فهي أظهر الصيغ البديلة للبيع الإيجاري .ذ وقد عرفها بعض المعاصرين بأنها : " تمليك منفعة بعض الأعيان كالدور والمعدّات ، مدّة معينة من الزمن ، بأجرة معلومة تزيد عادة على أجرة المثل ، على أن يملّك المؤجر العين المؤجرة للمستأجر ، بناءً على وعد سابق بتمليكها ، في نهاية المدة أو أثنائها ، بعد سداد جميع مستحقات الأجرة أو أقساطها ، وذلك بعقد جديد مستقل إما بهبة ، وإما بيع بثمن حقيقي أو رمزي " ([16]).

والفرق بين الإجارة المنتهية بالتمليك وبين البيع الإيجاري:

1ـ ليست مشتملة على إجارة وبيع في آن واحد.

2ـ تقوم على عقدين منفصلين ، يستقل كل منهما عن الآخر.

العقد الأول: عقد إجارة تقتضي آثاره الشرعية كاملة.

والعقد الثاني عقد بيع أو هبة في نهاية مدة الإجارة بناءً على وعد سابق غير مقترن بعقد الإجارة ،

3ـ تترتب عليها آثار الإجارة الشرعية كاملة وآثار البيع كاملة من انتقال الملكية للمشتري ، وحق التصرف في ملكه وأمانة يد المستأجر وغير ذلك.

4ـ كل الموانع الشرعية المفسدة للبيع الإيجاري خلت منها الإجارة المنتهية بالتمليك.

3ـ أجازها جماهير الفقهاء المعاصرين، وأصدرت المجامع ومؤسسات الاجتهاد الجماعي القرارات بجوازها:

ـ قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 44(6/5) في دورة الكويت 1-6 جمادى الأولى 1409 هـ 10-15/12/1988م .

ـ فتوى الندوة الفقهية الأولى لبيت التمويل الكويتي في 7-11/3/1987م بجوازها.

شروط الإجارة المنتهية بالتمليك:

اشترط قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي للإجارة المنتهية بالتمليك ما يلي:

1ـ أن تكون الإجارة فعلية وليست ساترة للبيع.

2ـ أن يكون ضمان العين المؤجرة على المالك لا على المستأجر.

3ـ أن يطبق على عقد الإجارة المنتهية بالتمليك أحكام الإجارة طوال مدة الإجارة ، وأحكام البيع عند تملك العين.

4ـ أن لا تكون الإجارة إجارة العين لمن باعها إجارة منتهية بالتمليك . وهذا الشرط الأخير اشترطته الهيئة العليا للرقابة الشرعية بالسودان زيادة على الشروط التي نصّ عليها قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي.

الإجارة المنتهية بالتمليك ليس هو البديل الأفضل:

نصح قرار المجمع الدولي باللجوء إلى بدائل عن صور الإجارة المنتهية بالتمليك ، وقد نصّ على بديلين هما:

1ـ البيع بالتقسيط مع الحصول على الضمانات الكافية.

2ـ عقد إجارة مع إعطاء المالك الخيار للمستأجر بعد الانتهاء من وفاء جميع الأقساط الإيجارية المستحقة خلال المدة في واحد من الأمور الآتية:

1ـ مدّ مدّة الإجارة .

2ـ إنهاء عقد الإجارة وردّ العين المأجورة إلى صاحبها.

3ـ شرا العين المأجورة بسعر السوق عند انتهاء مدة الإجارة .

البديل الثاني: البيع بالتقسيط:

والبيع بالتقسيط عبارة عن تملك المشتري السلعة فوراً ويبقى ثمنها كلّه في ذمة المشتري يدفعه بعد مدّة أو نجوماً وأقساطاً.

والفرق بين البيع الإيجاري والبيع بالتقسيط من وجهين :

الوجه الأول : أن المبيع يكون قد انتقلت ملكيته للمشتري فور الانتهاء من عقد البيع بالتقسيط ، بينما يبقى المبيع في ملك البائع ولا تنتقل ملكيته للمشتري إلاّ بعد سداد آخر قسط من ثمنه.

الوجه الثاني: أن بيع التقسيط لا أجرة فيه للمبيع ، بل تملك فوري يتحمّل المشتري ضمان المبيع كما ينال خراجه ، أما في البيع الإيجاري فإنّ المبيع يكون مستأجراً للمشتري لا في ملكه فلا يتحمل البائع مع أنه مؤجرٌ أي تبعات حيث لا ضمان عليه ، وإنما يتحمل كل ذلك المشتري ثم إذا عجز عن سداد أي قسط عاد المبيع إلى المؤجر.

والبيع بالتقسيط يحقق كثيراً من أغراض البيع الإيجاري من حيث الضمانات الكافية في المحافظة على حقوق البائع ، ومن حيث تحمل المشتري ضمان المبيع ، ومن حيث التسهيل على المشتري في امتلاك المبيع بالأقساط المنجمة .

البديل الثالث: البيع المقترن برهن المبيع:

وهذا النوع من المعاملة يصلح بديلاً للبيع الإيجاري ، لأنه يحقق للبائع وللمشتري ما يحققه البيع الإيجاري ، مع تنقيته من شوائب الحظر والمنع المحيطة بالبيع الإيجاري ـ كما أوضحنا ـ .

ورهن المبيع لدى البائع لضمان سداد الثمن بحيث إذا استكمل جميع الأقساط ؛ فك رهنه وعاد إليه المبيع ، وإنْ عجز عن سداد ما عليه ؛ تصرّف البائع في الرهن لاستيفاء حقه من الأقساط .

وهكذا ؛؛ فبأيّ الضيغ البديلة أخذ الناس وسعهم ذلك ، حتى يتخلّص المسلم من التعامل في تجاراته ومعاملاته بالبيع الإيجاري ، والله تعالى نسأله أن يوفقنا إلى بيان الحق والتزامه واتباعه بصدق وإخلاص ، فهو القادر على ذلك وهو على كل شئ قدير وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

-----------------------------------------------------------

[1]) ) راجع: بحث د. وهبة الزحيلي ، الإجارة والإجارة المنتهية بالتمليك، منشور بمجلة مجمع الفقه الإسلامي السودان، العدد الأول ص 140.

([2]) القاموس التجاري ، يسى عبد السيد ، نشر الثقافية التجارية القاهرة ، ط9 ، ص 171 .

([3]) بيع التقسيط ، تحليل فقهي اقتصادي ، د. رفيق يونس المصري ، ص 129 .

([4]) مذكرة د. أحمد علي عبد الله للهيئة العليا للرقابة الشرعية عن الإجارة المنتهية بالتمليك بتاريخ 3 ذو القعدة 1425هــ 15 ديسمبر2004م.ص 2 .

([5]) انظر : بيع التقسيط ،د. رفيق المصري ، ص 129 .

([6]) المرجع نفسه.

([7]) أخرجه أبو داود ، برقم 3461 ج3 ص 274 ، وابن حبان في صحيحه برقم 4974 ج11 ص 348، والحاكم في المستدرك برقم 2292 ج2 ص 52 ، وعبد الرزاق في مصنفه برقم 14629 ج8 ص 137 .

([8]) أخرجه الترمذي في سننه برقم 1231 ج3 ص 533 ، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 10660 ، وابن حبان برقم 4973 ج11 ص 347 ، والهيثمي في موارد الظمآن برقم 1109 ج1 ص 272 ، ومالك في الموطأ من بلاغاته برقم 1344 ج2 ص 663 ، وأحمد في المسند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده برقم 6628 ج2 ص 174 ، وصححه الترمذي .

([9]) أخرجه أحمد في المسند برقم 3783 ج1 ص 398 ، وأورده الحافظ في التلخيص(3/12) وسكت عنه ، وابن القيم في حاشيته (9/295) ورفعه .

([10]) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 11172، ج6 ص 70. من حديث لفظه : ( مطل الغني ظلم وإذا أحلت على ملي فاتبعه ، ولا تبع بيعتين في بيعة ) .

([11]) حاشية الدسوقي ، ج4 ص 5 ، بلغة السالك على أقرب المسالك للصاوي، ج3 ص 725 ، الفروق للقرافي ،ج3 ص 142، 177-178، المدونة ، ج3 ص 188 .

([12]) راجع : حاشية ابن عابدين ، ج4 ص 521 .

([13]) تبيين المسالك ، ج3 ص 348 ، مغني المحتاج ، ج2 ص 39 ، والمغني لابن قدامة ، ج4 ص 294.

([14] ) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى وأصله في البخراي كتاب الإجارة باب أجرة السمسرة .

([15] ) انظر : الدليل الشرعي للإجارة عز الدين محمد خوجة ، مراجعة د. عبد الستار أبوغدة ، مجموعة دلة البركة ، ص 243 ـ 244 .والمسألة 72(15/11) ص 33 .

([16]) د. وهبة الزحيلي ، بحث عن الإجارة المنتهية بالتمليك ، مجلة مجمع الفقه الإسلامي السودان ، العدد الأول ، ص 138

 

 

  ركن المعاملات

  ركن العبادات

  ركن التزكية

  نوازل

دروس القرآن

قضايا المرأة

خطب ومحاضرات

التفسير

اجتهاد جماعي

فتاوى

ما يتقاضاه الصحفيون من جهات التغطية السؤال: بعض الصحافيين يقومون بتغطية أخبر جهة معينة أو كتابة تحقيق عنها...الخ من أساليب التغطية الصحفية ، وفي المقابل تقوم تلك الجهات بتحفيزهم بإرسال مبالغ من المال لهم بصفة مستمرة ليكونوا مدخلها للصحافة وهؤلاء الصحفيون هم نوعان:

 

كل الحقوق محفوظة لموقع الدكتور عبد الله الزبير عبدالرحمن 2012 : الخرطوم السودان ::    التصميم والدعم الفني لمسة الهندسية Lmssa.com